بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

السبت، 30 يناير، 2016

العريس و العروس ...

By 10:23 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




فتح عينيه بلمسة خفيفة على خده … و صوت المنبه ينطلق … خفيفا … أطفأه بسرعة كي لا يزعج زوجته … 
أول يوم عمل … جلس على حافة السرير و نظر إلى زوجته النائمة و إبتسم … أخذ حذاءه و إلى دورة المياه الملاصقة للغرفة دخل … تفاجأ بأنها نظيفة تماما … ليست كما تركها البارحة قبل النوم … لم يهتم كثيرا … فتداخلت أفكار بين أفكار فيما سيفعل اليوم في أول يوم عمل بعد الزفاف … و إستقبال الأصدقاء له فيه … و كيف كان كل شيء أفضل مما توقع … نفسه منشرحة يخاطبها بليتني لم أؤجل الزواج كما فعلت و ليتني بسرعة في وقت مبكر تزوجت … إستغرق وقتا بعقل عنه سارح  … إنتبه لنفسه في المرآة ينظف أسنانه … أكمل حاجته و خرج … ليجد أن زوجته ليست في فراشها … ولكنه وجد ملابس العمل جاهزة معلقة مكوية … مرتبة كما لم يعتد على ذلك من قبل … فإبتسم بخفة وقال لنفسه … بشائر نعمة الزواج بدأت تهل … إرتدى ملابسه و هيأ نفسه … و ذهب إلى المطبخ ليرى ما سيكون إفطاره … فوجد السفرة قائمة وفيها ما لذ و طاب من إفطار … عسل و مربى ، زبد و خبز محمص … بيضة مسلوقة و كوب قهوة و بجانبه بعض الحليب … طماطم و زيتون و جبن و زيت زيتون … يا الله ما هذا الهناء … نادى بصوت خفيف على زوجته … 

الزوجة التي كانت في دورة المياه الأخرى …  خرجت لغرفة النوم … لتجد أن الفراش قد تم ترتيبه… فستان النهار معلق أمامها لترتديه … و قد رش بعطر زاد في رغبتها فيه … سمعت صوت زوجها من المطبخ ينادي … 

خرجت  … لتجده في إنتظارها و الإفطار جاهز كما تشتهيه وتحبه و زهرة على المنضدة ناصعة البياض … إبتسمت و تمايلت في مشيتها … فرحة بصباح تصبحت فيه على زوجها الذي تحب و الإفطار تماما كما ترغب  … 

أتما الإفطار و أراد الزوج الذهاب … فأمسك بيد زوجته وقال 
  • شكرا لوجودك في حياتي 
ابتسمت خجلا … و قالت 
  • شكرا لك أنت لإنك في حياتي 
تبادلا الإبتسام و الغمز … نهضا لتوصله حتى الباب ، أراد أخذ غرض له من غرفة النوم  غاب فيها لحظات و خرج مسرعا … لمح أن حذائه نظيف ملمع جاهز … نظر إلى زوجته و إبتسم … بحنان … كمن يقول شكرا لك جداً … 
ودعته عند الباب بإبتسامة مشعة … لا تتأخر … 
أرادت أن تبدأ نشاطها مبكرا … لتغير روتين  حياتها الذي إعتادت فيه أن تسهر طوال الليل لتنام النهار … ولكن مقاومتها كانت قليلة جدا … و جاذبية الفراش لصداع رأسها قوية كفاية … بما سحبها إليه و أغرقها في نوم عميق … نسيت معه كل شيء و فيه إنغمست … ولم تنتبه حتى أن فراشها كان مرتبا … 
بعد سويعات من النوم … أفاقت على صوت رنين الهاتف … و صديقتها تقول … 
  • سأمر من قرب بيتك ما رأيك في أن نخرج لنتمشى معا؟
  • تبدو فكرة جيدة حتى نحرق ما أكلنا من سعرات … متى؟
  • ربع ساعة فقط و أكون أمام الباب … لا أريد أن نطيل يجب أن نستغل الوقت 
  • حسنا … ستجدينني جاهزة …
أفاقت بسرعة و جهزت نفسها … و أرسلت رسالة لزوجها تعلمه بأن صديقتها التي يعرفها و يعرف زوجها ستمر عليها ليخرجا لبعض الوقت في المنطقة مشيا و يتنزها قليلا … 

بعد دوام عمل لم ينجز فيه الكثير ، لقضاءه بين ترحاب و سؤال كأنه بالزواج خبير  … عاد لبيته … ركن سيارته … دخل البيت … فظن أنه إلى فندق دخل … سفرة الغذاء مجهزة … و كل شيء فيها أنيق و معد بعناية وترتيب و إتقان كإتقان المحترفين في برامج الطعام و السياحة  …في غرفة النوم وجد ثياب البيت مرتبة جاهزة … رسمت إبتسامة على شفتيه و غبطة أخذت تتلاعب بصدره و تفرحه … 
جلس أمام التلفاز في غرفة الجلوس … يقلب المحطات … فوجد برنامجا وثائقيا عن القطط البرية … أخذ يتابعه … حتى إنتبه لصوت  سيارة ركنت أمام البيت و زوجته قد حضرت  … 
دخلت … لتجده في إستقبالها … بإبتسامة رضا و حنان … 
إبتسمت أكثر و شعرت بشعور غريب عندما رأت سفرة الغذاء جاهزة مكملة كاملة كأنها في فندق راقي … قالت 
  • سأبدل ملابسي في لحظات  … 
  • كما تحبين يا حبيبتي … 
دخلت غرفتها لتجدها مرتبة ، بعكس ما تركتها … و ملابس زوجها في مكانها معلقة … و وجدت ما سترتديه من لباس معلق أمامها جاهز أيضا … 
نظرت إلى المرايا … و الغرفة لا تكاد تسع فرحتها … بالوردة البيضاء التي بجانب ملابسها وجدت … كادت تطير … كادت تفقد الوعي … تريد أن تصرخ فرحا … ولكنها تذكرت أن زوجها ينتظرها ويجب أن تسرع ليتناولا الغذاء معا …
خرجت إليه … فنهض من مكانه مسرعا … ليجلسا إلى الطاولة … و هم في إبتسام مستمر … يتجاذبا أطراف الحديث … 
لينقطع برنين الهاتف … فأهلمه ولم يرد أن يرد عليه ، ولكنها قالت : 
  • رد عليه لعله يكون شيء مهم …
  • هو من صديقي حازم …
  • رد عليه و انظر ما يريد …

رد على المكالمة ليعلم منه أنه يدعوه الليلة لسهرة صغيرة أقيمت لإجله و دعي لها الأصدقاء ليلتقوا … فلم يعطه الرد مباشرة … ولكنه قال سأكمل غذائي و أرد عليك …

تحدث إلى زوجته بذلك فقالت …
  • كنت سأخبرك أن صديقتي سمر أيضا دعتني المساء لنشرب الشاي معا … و أنها دعت صديقاتنا الأخريات … 
  • جيدا إذا أوصلك في الطريق … و كل يسهر مع أصدقائه … و أعود إليك عندما أنتهي من سهرتي …
أعاد كل منهما الإتصال بصديقه ليخبره أنه سيكون في الموعد للقاء … 

و دخلا لأخذ قسط من الراحة … 

في المساء … 

العريس …
بعد إستقبال حار و فرحة و ترحيب … ربت أحدهم على فخذه وقال … 
- كيف حالك يا عريس … كيف هو الزواج؟ هل تنصحنا به ؟
- يا أخي هذا العالم خيالي … كل شي كأنك تعيش في فندق … كل شيء مرتب إفطارك دائما جاهز ، بالساعة و ملابسك جاهزة دائما … تصور حتى السيارة دائما نظيفة ؟ 
- يبدو أنك تزوجت إمراءة خارقة أو أنها غير طبيعية …
- لا بالعكس طبيعية تماما … و تصور أن كل ذلك يحدث دون أن أطلب أي شيء  ، فقط أجد كل شيء جاهز أمامي حتى أني بدأت أغير طبعي … و أعتاد على حياة الفنادق هذه … 
قال أحد الجالسين قبالته متكئا على كرسيه … و هو يرشف رشفة من الشاي …
- هل تريد أن تقول أنك مازلت في الفندق؟
- لا يا رجل … رجعت بيتي منذ شهرين  و يزيد … و الحياة في البيت كأنها في الفندق تماما … تصور أنك تجد أغلفة الوسائد جديدة كل يوم … و تجد إفطارك جاهزا مجرد خروجك من دورة المياه … و لم أدخل يوما لدورة المياه و أجدها غير نظيفة … لا أعرف متى تجد زوجتي الوقت لفعل كل هذا … حتى عندما تخرج مع صديقتها أعود لأجد سفرة الغذاء جاهزة من كل شيء … 
- يا أخي أنت تبالغ و تغرينا فقط بالزواج و إلا إن كان لها أخوات فتوسط لنا لعلنا نعيش حياة كحياتك … أنت أمير أمير …
ضحك العريس وهو يقول بتواضع … 
- الحياة إختيارات يا إخوان … و يبدو أنني أحسنت الإختيار … و …
قاطعه أحدهم … 
- لا … لا إنتظر لا تستعجل … أنت مازلت في البداية … و البدايات دائما جميلة و لكن عليك أن تنتظر حتى تعتاد عليها و تعتاد عليك … و ترى الوجه الحقيقي و الطلبات ستبدأ في الإنهيال عليك ، و عندها ستعرف معنى الزواج … إسألني أنا … خبرتي في ذلك طويلة … و عندما يرزقك الله بأطفال ؟ 
- لا … لا أعتقد ذلك … أنت لا تتخيل مدى الدقة و النظام و النظافة في هذه المرأة … حتى فرشاة الأسنان أجدها في ذات الإتجاه كلما إستعملتها … حذائي … لامع دائما … و صدقا لا أعرف متى تجد وقتا لذلك … إنها حقا زوجة رائعة …
- شوقتنا يا رجل … شوقتنا للزواج … قل لنا كيف إخترتها حتى نفعل مثلك تماما …
ضحك ضحكة ماكرة وقال … هذا سر المهنة لن أفصح به لأحد أبداً … 

إستمرت السهرة و العريس لا يملك القدرة الكاملة ليصف لأصدقائه كيف هي زوجته و كيف حياته معها و كيف هو نظامهم و راحتهم و إنسجامهم … و كم أنها مجرد أن يدخل هو البيت … وتعود هي من عملها … حتى يجلسا إلى الطعام … و يجدا وقتا كافيا لراحتهم و حديثهم … 


العروس …


قبلات تتطاير و ترحيبات و أحضان و وكلمات كثيرة غير مفهومة تتبادلها مع كل من تصافحها في الإستقبال … 
قفي أنظر إليك هل تغيرتي يا ترى ؟ قالت صديقتها وهي تدفعها أمامها ممسكة يدها … 
دفعتها بخفة على كتفها و قالت كفاك … لم يمضي على زواجي أكثر من شهرين … و ليتك تعيشي حياتي التي أعيش …

الله الله … قالت أحدي الصديقات … يبدو أن صديقتنا غارقة في الغرام … تعالي أخبرينا كيف هو الزواج … 
  • أخبركم … عن ماذا أخبر وماذا أخبر … 
  • ماذا هناك … شوقتنا … أخبرينا هيا … 
  • نعم نعم أخبرينا و رجاء لا تؤلفي الموشحات ولا تظيفي شيئا ، نريد تفصيلا دقيقا واقعيا حقيقيا … 
إعتدلت في جلستها و أمسكت بوسادة وضعتها أمامها و إحتضنتها … وقالت …

  • نعم أخبركن بكل شيء … فأنا أعيش حياة النجوم الخمسة … 
  • صاحت إحداهن … النجوم؟ أصبحت مشهورة ؟ أم ماذا … 
  • اسكتي دعيها تكمل … هيا هيا أكملي …
  • نعم أعيش حياة مرفهة … لم أتوقع أن يكون زوجي بهذا اللطف و الرقة و الخدمة الكاملة … نعم إتفقنا على التفاهم و على أن يساعد كل منا الآخر … ولكن … أن أفيق صباحا لأجد الإفطار جاهزا ؟ و ملابسي جاهزة 
  • لا … أصحيح ما تقولين؟
  • نعم … اليوم صباحا كان الإفطار جاهزا و كان ينتظرني … أفطرنا معا … و عندما عدت إلى فراشي وجدته مرتبا … 
تنظر جميع صديقاتها لها بإستغراب … و أفواه مشرعة … وهي مستمرة في الحديث …
  • اليوم إتصلت بي هناء … و خرجنا نتمشى معا … و عندما عدت … كان زوجي قد عاد من العمل … و وجدت الغذاء أيضا جاهزا … بترتيب لن تدنه حتى في الفنادق أو أفخم المطاعم … 
  • هل لديه إخوة؟ هل يمكن أن نجد نسخة أخرى منه ؟
  • أنا بذاتي لست مستوعبة ما يحدث … كل شيء مرتب كل شيء في مكانه ، لا يلبث شيء إلا أن يعود نظيفا كما كان … كل شيء دائما مرتب  … الثلاجة … المشتريات … كل شيء … 
  • أحب أن أحصل على زوج كهذا … 
  • ومن يكره … 

مع ضحكات خفيفة و مزاح مستمر و شوق لمعرفة المزيد  إستمر السمر و الإنسجام و هي تخبرهن عن كل تفاصيل ما حدث من زوجها و كل ما يحدث في حياتها و سط تمنياتهن جميعا للحصول على زوج مثله … حتى رن هاتفها برسالة تسأل إن كان الوقت مناسبا للعودة إلى البيت … 


تبادلا الحديث عن كيف كانت السهرة وكيف كان الإنبساط و الإنسجام  … حتى وصلا إلى البيت … لينتبه الزوج أن الأنوار مضاءة في بيتهم … فسأل زوجته هل نست أن تغلقها؟ نفت ذلك بالتأكيد … 


دخل بحذر إلى المنزل … الذي كان فارغا و مرتبا … و كل شيء في مكانه … دخل الغرف واحدة تلو الآخرى … ليتأكد من عدم وجود أحد … أغلق الباب بإحكام … تأكد من النوافذ … كلها محكمة الإغلاق … اطفأ الأنوار … و إتجه نحو غرفة نومه مرورا بغرفة الجلوس … لفت إنتباهه ضوء أحمر صغير يشع من زاوية السقف منعكسا من خلف التلفاز … إقترب منه … ودقق … أضاء الأنوار … و نظر … ليكتشف كميرا تصوير … تراقب الغرفة كلها … خرج للغرف الأخرى … كذلك … أخذ يبحث في كل الغرف عدا غرفة نومهم و دوراة المياه  … و زوجته تسأل … ما الذي حدث … ليكتشف هو وزوجته أنهم ممثلين في مسلسل حي يشاهده الآف الناس … وهم يتوهمون أنهم كانوا يعيشون حياة أفضل من البقية  و أن سعادتهم هذه  و الإهتمام بكل التفاصيل كان فعل الآخر إرضاء لزوجه … ليكتشف كل منهم … أنه لم يكون هو صاحب الإهتمام … إنما فريق التصوير ومن خلفهم من مختصين وفنيين … هم من كان يجهز كل شيء و يضعه في مكانه كما يجب أن يوضع ... 

شكراً…







0 التعليقات: