بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأحد، 14 فبراير، 2016

على سيرة الحب ...

By 10:50 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





صوت قرقعة … متكرر … جعله يتقلب … و ينظر إلى الساعة ليتأكد  من الوقت … إنقلب على جانبه الآخر … أخذه النوم لشدة التعب في عمق الحلم … 
صوت القرقعة تكرر … فتح عينيه وهو في مكانه … محاولا الإنصات … سيتكرر الصوت … ها هو … ولكن لا شيء تكرر ولا شيء عن أي شيء حوله صدر …

حاول العودة إلى النوم مجددا ولكن كان النوم عنه قد إبتعد … و لم يسعه أن يرجعه و يغمس عينيه فيه لتشبع به … و تستريح عظامه …

إنقلب على ظهره و إستقبل السقف … شديد البياض … صافي … بلا شوائب … تنهد … و أرخى أطرافه … وسكن …و تجمد هناك لحظات … لحظات لم تدم طويلا … فشقها صوت قرقعة متصل … 
إنتفض من مكانه كمن سكب عليه إناء ماء بارد … و أتى جالسا … في مكانه … و قال يا الله … ألهذه الدرجة أخذ مني الجوع مأخذه … ألهذا الحد نسيت أن آكل شيئا أقيم به صلب نفسي … بطني تقرقع في نومي … و لتني حملت بوليمة أو طبق شهي … 
- ولكنها نتيجة طبيعية لمن إلتهى عن نفسه …
إلتفت حوله يبحث عن مصدر الصوت ، و ظن أنه يهذي لشدة الجوع و الإنصراف عن الطعام … 
- لا تلتفت ، فمهما إلتفتت لن تراني … 
قفز من سريره وهو يمسك وسادته و وقف في منتصف الغرفة حاميا نفسه بالوسادة … ملتفتا يمنة و يسرة … يراقب كل زاوية من الغرفة … مد يده بسرعة ليزيح الستائر … و يدخل النور إلى الغرفة … لعل أحدهم مختبئ في مكان منها …
- لا تتعب نفسك … لن تراني ولن يؤثر في وجود النور من عدمه 
أنصت من الجهة التي يأتي منها الصوت … و قال … من أنت … أين أنت … أخرج ولا تخف … 
  • أخرج؟ هل أنت متأكد؟
  • نعم نعم أخرج أرني وجهك … من تكون …
  • حسنا … يبدو أنه علي أن أشرح لك من البداية ، هل لك بالجلوس و الهدوء؟ 
  • لا … لن أجلس حتى تخبرني من تكون و من أنت و كيف دخلت إلى هنا … وماذا تريد مني … 
  • لا أعرف إن كان هناك من هو مثلك مهملا لنفسه ناسيا لها لا يعيرها أي إهتمام … 
  • لا لست ناسيا ولست مهملا لشيء … هيا أخرج و كفاك فلسفة 
  • أنت ؟ تريد أن تقنعني أنك مهتم بنفسك و تعرف ماتريد و تفعل ما يصلح بها؟ … قل كلاما آخر …
  • أنا أعلم بنفسي منك … لن أزيد معك كلمة واحدة حتى ترني نفسك … و تواجهني … الآن حالا … كفى ممطالة 
  • لأنك تسألني هذه الأسئلة فأني أؤكد لك أنك لا تعلم عن نفسك شيئا ، و قد مضى زمن طويل جدا على آخر مرة تحدثت فيها مع نفسك أو صارحتها ، أو حتى إهتممت بها ليكون مصيرها …
أسكته في هذه اللحظة … وقال 
  • أصمت … لست في موقع يخولك أن تحاسبني على ما أفعل ولا أفعل … و أنا حر في نفسي 
  • الحقيقة أنت حر نعم … و لكن من حقي أن أقول ما أريد … 
  • لا يحق لك … 
  • حسنا كما تحب ، و على كل حال أنت لا تعيرني أي إهتمام ولا تهتم لي و لم يعد هناك بد من التدخل في حياتك بهذه الطريقة ، التي ما ودتت أن أضطر إليها حتى الآن …
  • الآن … الحوار بيننا إنتهى … و قد تعديت حدودك … 
أخذ يقلب الغرفة ، فتح أبواب الخزانة … نظر تحت السرير … أزاح الستائر … الكرسي … الملابس … لا وجود لأحد …

يبدو أنني تحت تأثير الجوع و قلة النوم و بدأت أهذي … يجب أن آكل شيئا دسما أملأ به بطني ، سأعد لنفسي الغذاء … أم تراهم تذكروني بشيء … 

خرج من غرفته … و ساعة المطبخ تشير إلى الثالثة بعد الظهر … ألقى نظرة على ما بالثلاجة … فوجد صحنا جاهزا … يحتاج فقط إلى تسخين خفيف و آخر لسلطة و صحن مقبلات و آخر للتحلية … أعد الجلسة و هيأها … و أخرج الصحن من الفرن و الأبخرة تتطاير لترسم قصة رحلة إلى عمق الطعم ستأخذه  … أعد كل شيء و رتبه … وضع الصحن الساخن وسط بقية الصحون لتكون وجبة و وليمة تشره لها الأنفس … جسل و نظر إلى ما جهز … إلتفت إلى خزانة المطبخ ونهض من مكانه و أخذ يبحث عن حفاضات التوابل و الباهارات … حتى وجدها … أخرج صحنا غائرا … و أخذ يسكب فيه من كل تلك البهارات و التوابل و يخلطها بعضها على بعض … و يهز الصحن أكثر لتمتزج الخلطة بعضها ببعض … أخذ الصحن و وضعه أمام كرسي مقابل حيث وضع كل صحونه و وليمته … و أخذ من الثلاجة علبة عصير … و جلس وأمسك بالملعقة ليباشر الأكل …
  • ويحك يا رجل ماذا تفعل ؟
أسقط الملعقة من يده و تراجع بالكرسي فزعا … فلم يتوقع أن يسمع الصوت مجددا …
  • ألم أقل لك أن لا تزعجني مرة أخرى ؟ 
  • لا لم تقل ذلك 
  • حسنا ها أنا أقولها الآن … أغرب عن وجهي حالا ولا تعد 
  • أغرب عن وجهك إلى أين … و أنا لست حتى أمام وجهك ، و لكن قلي … لما تفعل هذا ؟
  • نعم انت لست أمام و جهي ولكني أسمعك بوضوح و إن أمسكت بك سأعرف ما سأفعله بك …
  • فقط أخبرني لما تفعل ما تفعله ؟ ألست جائعا و الواجب أن تأكل الطعام؟
  • ما شأنك أنت ؟
  • هل يعقل أن تترك الطعام و تجلس لتأكل البهارات و التوابل؟
  • هذا ليس شأنك 
  • ولكن البهارات و التوابل وجدت لكي تجعل طعم الطعام ألذ و ليست لتؤكل … ستهلكنا يا رجل 
  • قلت لك ليس شأنك … إهتم لشئون نفسك أنت و دعني و شأني 
  • أنا مهتم بشؤون نفسي عندما أحدثك و أخبرك حالا أن تتوقف عن أكل البهارات و أن تأكل الطعام لأنه أساسا يحتوي على بعض البهارات التي تجعله يكون أجمل و ألذ و أكثر متعة و شبعته أنفع للبطن … 
  • هل تلقي محاضرة الآن أم أنك تغني؟
  • لا لست أغني ولست ألقي محاضرة … و لكنك أتبعتني و لم أجد تفسيرا لما تفعله 
  • و هل وجدت أنا تفسير لوجودك أنت ؟
  • أنا هو أنت ولست بأحد غريب عنك و ليس هناك شخص آخر معك في البيت و لن أغرب عن وجهك لأنني أنت ، و يبدو أنك لقلة ما تحدث نفسك وتحاسبها نسيت حتى صوتها و نسيت أن لك نفس و عليك الحديث إليها … و ها أنا أقلب الموازين لأحاسبك بدلا من أن تحاسبني … بعد أن إجتهدت لأتدرب على إسماعك صوت نفسك كما تسمعه الآن … فهل يعقل أن تهمل نفسك و تنجرف لشكليات حياتك و تترك الأساسيات ، ألا تعتبر ذلك من الحمق و الجهل أن تجلس إلى صحن من البهارات التي تضاف إلى الطعام لتعطيه طعمه و تجعله أكثر لذة و تزيد متعتك به … و تغرف بنهم تلك البهارات دون أن يكون هناك أي وجبة ؟ 

تجمد في مكانه على الكرسي … ونظر إلى الطعام الشهي المعد أمامه ... حتى تضببت صورة الصحون و أجزاء لشريط حياته … يتسارع في مخيلته … وهو يسمع نفسه تحدثه عن واقع فيه حتى آخره غرق … 

أتدري … رأيت الكثير ممن يفعل مثلك تماما في الحياة … يترك الطعام و ينكب على البهارات … يترك الحياة و ينكب على الحب … و ما الحب إلا بعض توابل تضاف للحياة حتى تكون الرحلة فيها أقل مشقة … 
رأيت من ينكب على الحب حتى صارت حياته كلها … مشقة … و هو يلهث و الحياة تهرب منه … والحب دائما له سارب في صحراء خالية يلاحقه 

عرفت الآن من أنا ؟ ... أنا أنت ...

وها هو صوت القرقعة يعود من جديد ...


شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

الاثنين، 8 فبراير، 2016

العين السحرية ...

By 11:15 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




إطار بني غامق من الخشب الطبيعي على الحائط معلق … تتوسطه صورة لإمرأة بريعان الشباب فرحة تبتسم للعدسة و عينها بالحياة تشع … في يدها خاتم يعكس لمعان و بريق يأخذ البصر … و يدها في يد شاب وسيم المطلع أنيق الثياب معلقة … وهو أكثر منها فرحا و سرور … الطبيعة و أصناف الزهور خلفهم تظهر… و الشمس عند ساعتها الذهبية تشع دفئا بين إطار الصورة الداخلي و الإطار الخشبي المعلق على الحائط الذي يقبع أمامه حذاء رياضي بقاعدة مطاط بيضاء و نسيج قماشي سميك أزرق و رباطه الأبيض المتدلي من جانبيه … و في الحذاء قدم رقيقة تنتهي بساق ترتدي بنطلون جينز أزرق مزقت أطرافه و تناثرت لتكون كريش نتف من جناحي فرخ حمام … يتدلى فوقه قميص قطني متسع بجيب منتفخ … و غطاء رأس على كتف متدلي … و خيوط ربطة الغطاء مستلقية على صدره … يعلوه وجه مستبشر ناعم بخدود كورد زهري متفتح تغطى … و عين عسلية فوق الخد فيها ينعكس إطار خشبي على الحائط معلق … 

تتأمله  تدقق في شخصياته … تنهدت و وقفت على أطراف قدمها … وضعت يدها في جيبها  هزت رأسها و ابتسمت … رفعت يدها … مررتها على الصورة … و إطارها الخشبي … أعادت يدها إلى جيبها … و إلى الكرسي بجسدها ألقت … 

إتكأت على يد و الآخرى على بطنها وضعت … أخذت تنظر إلى السقف و تحدث نفسها … بحياة تتمناها … و صحبة لنفسها ترجوها … أهداف تحققها و طموحات تريد أن تفوز بها يوما … 

إلتفتت برأسها لترى جهاز التحكم عن بعد بالتلفاز موجود عند متناول يدها على المنضدة الصغيرة أمام الأريكة التي عليها إستلقت … ففردت يدها و إلتقطته … و به إلى التلفاز أشارت و على زر التشغيل ضغطت … برنامج عن الطعام … زر التالي ضغطت … برنامج عن الحيوانات … برنامج عن الرياضة … أخبار العالم كله ملل … مسلسل لم ينتهي منذ كانت في الرابعة عشرة وربما ستتخرج من دراستها الثانوية هذا العام و لن ينتهي هذا المسلسل … ها هو برنامج ترغب في مشاهدته … برنامج المواهب … ألقت بجهاز التحكم عن بعد حيث كان … و أرجعت يدها على بطنها و تسمرت العين بإتجاه الشاشة … تلحقها إبتسامة ثم إمتعاض … ففرحة … فخوف … 

جرس الباب … جرس الباب … جرس الباب … 
أخيرا إنتبهت … أنقصت صوت التلفاز و أنصتت … لتسمع مجددا … جرس الباب … 
هرعت إلى الباب و من الفتحة السحرية نظرت … وركزت … من بالباب … 
وجه مستبشر مبتسم بلحية خفيفة و شفاه مبتسمة … و شعر أكرمه بدهان و ترتيب وإهتمام … تأخرت عن العين السحرية و نظرت حولها و لنفسها قالت … من يكون يا ترى ؟ 
أعادت النظر من العين السحرية من جديد … و رأته يمد يده إلى الجرس مجدداً وهو قريب منها يطلق ضجيجه … وضعت يدها على مقبض الباب … ولكنها تأخرت … وقالت من يكون … لا أعرفه كيف أفتح الباب لمن لا أعرف … تحركت … حول نفسها في الصالة … إتجهت إلى النافذة لترى من هناك لعلها ترى سيارته … فما وجدت شيء هناك واضح … جرس الباب … جرس الباب … رفعت هاتفها و أرادت الإتصال ولكنها ترددت … و بمن ستتصل؟ لا تعرف … 
وقفت مجددا أمام الباب و من العين السحرية نظرت … و هذه المرة قالت … من هناك ؟ … لم يصل الصوت فأعادت قولها … من هناك … من أنت … 
فسمع الشاب ذو الثوب الأسود و الإهتمام بالنفس واضح جدا في تفاصيله … وقال أنا صالح … جئت أطمئن عليك …
تراجعت عن العين وقالت في نفسها … يطمئن علي؟ من هو ومن أين يعرفني ليطمئن علي … فعادت عينها إلى الفتحة و قالت مجددا ولكن من أنت ؟
فقال 
  • لا تخشي شيئا … فقد جئت مهتما لأتأكد إن كنتي تحتاجي لشيء أو ينقصك شيء … 
  • شكرا لك لا أحتاج لشيء ، لا ينقصني شيء فكل شيء متوفر لدي ولا أعرفك من تكون حتى أفتح لك الباب … 
  • إذا رأيتني مباشرة ستعرفي من أكون … أنا جاركم أسكن في ذات الشارع و عرفت أنك و حيدة و فكرت إن كنتِ تحتاجي شيئا أستطيع أن أخدمك به فما دفعني إلى طرق الباب إلا الإهتمام … و ها أنا أقف بعيداً عن الباب …
تأخر بنفسه عن الباب و وقف متنحيا إلى جانب … فنظرت إليه … فبدا صورة كاملة لشاب جد أنيق … و كتف عريض و بنية تبدو رياضية و طول فارع و أناقة متكاملة … في نفسها تقول هل هذا واقعي الذي أنظر إليه … أم هو صورة من صور مواقع الموضة و المسلسلات … 
رجعت حيث الكرسي جلست عليه لحظات وضعت إصبعها على شفتيها … و من ثم عضت على ظفرها … و هي تسأل نفسها … من يكون يا ترى … إنه أنيق جدا و مهذب في كلامه ولا يبدو عليه السوء … وقفت … نظرت من فتحة الباب … عادت … سارت بين الكرسي و الباب مرورا بالممر … جاءت و ذهبت في الممر … وهي تفكر … و تحاول تذكر ما كان والداها دائما يوصيانها عن الغرباء … ولكنها فكرت أن هذا كان قديما عندما كنت صغيرة ولكنني الآن كبرت ولم أعد طفلة وأستطيع السيطرة على نفسي و إتخاذ القرارات … نظرت مرة أخرى … و حقا بدا الشاب وسيما … ففكرت في أن تفتح الباب ولكن تبقي على السلسال للحماية حتى تتأكد منه و مما تراه … 
وهكذا فعلت … و نظرت بعينها من إنفراج الباب المحمي بأمان سلسال صغير يثبته … بدت عينها العسلية من الباب و إنعكست تباشيرها على محياه وهو يقترب … حتى يكلمها … فردت الباب أكثر كادت تغلقه … وقف مكانه وقال 
  • لا لا تغلقي الباب أرجوك … فأنا هنا لأجلك … وأنا جاركم أسكن من بيتكم قريب 
  • ولكن كيف لم أرك من قبل؟ أم أنك جار جديد؟
  • بل جار منذ زمن بعيد وهذا لا يمنع أن أعرفك على نفسي و أرى إن كنتِ تحتاجي شيئا أو ينقصك شيء فالجار للجار
  • لا أعرف ، لا ينقصني شيء الآن و أشكر إهتمامك ولطفك ولكن من تكون 
  • أنا أسكن في ذات الحي … كنت أراك دائما وأنتِ في طريقك إلى المدرسة … وأكثر ما يعجبني في الفتاة هو أهتمامها و إنتباهها و حرصها على نفسها و عرفت أنك وحدك اليوم ففكرت في أنك قد تحتاجي شيئا … و تكون فرصة لكي أعرفك عن قرب و تتعرفي علي … 

فجأة أغلق الباب … فوقف الشاب حائرا … فيما حدث فجأة … و خلف الباب عين ترقبه … و قلبها يخفق بقوة … يخفق بشدة … كأن لا شيء حي في هذا الجسد إلا … دقات القلب المتسارعة بشدة تتخطف معها الأنفاس وتضاعف الإحساس… أخذت تروح و تجيئ أمام الباب … و تشعر بحرارة في وجهها لشدة تدفق الدماء إليه … قلبها يكاد يقفز مع القميص القطني الواسع … يدها ترتعش … إرتعدت عند سماع … جرس الباب … مجددا … قالت في نفسها يا الله … ما هذا الإصرار … و جرس الباب مجددا …
ماذا علي أن أفعل … ماذا أقول … شفتي ترتعش … يداي … لا تكاد قدمي تحملني … نظرت مجددا من العين … يا ربي … هذا شاب وسيم … لماذا يحدث لي ذلك … رأته مقتربا من جرس الباب و يرفع يده ليقرعه مجددا … وقبل أن تصل يده إليه
دق قلبها بسرعة و يدها دب فيها كهرباء حركتها فأزالت السلسال و فتحت الباب و وقفت وليس بينها وبينه شيء و أنفاسها تكاد تتقطع … فتفاجأة عندما رأها … وألحق المفاجأة بإبتسامة خفيفة أظهرت صفا مستويا من الأسنان … لمعت معه عينها … 
فقال …
  • مرحبا 
في خجل خفيف و تسارع أنفاس قالت 
  • مرحبا 
  • أنت بخير ؟
هزت رأسها بإبتسامة شفافة … و عين بالفرحة تفضح ما في داخلها يضج … تقدم منها فإعترضته … فبادرها بإستفسار من عينه … و إبتسامة … و أمال الرأس … فتنحت و له سمحت بالدخول … 

لحظات هدأ فيها كل شيء … توقف فيها كل شيء … سكن السكون و هدا الهدوء … 


ركنت سيارة رمادية بعجلات جديدة أمام البيت ومنها حذاء نسائي بني بكعب مرتفع ترتديه إمراة في منتصف العمر على الأرض وقف … وضعت المفتاح في الباب و أدارت لتفتح الباب وهي الحذاء عند المدخل على بساط خشن بني تمسح … تقدمت … وأغلقت الباب خلفها … وفي المدخل حقيبتها تركت والمفتاح في مكانه علقت … خلعت الحذاء و إلى صالة المنزل من الممر إتجهت … لتقابلها صدمة ما كانت يوما تتوقعها … تسارع في لحظة نبضها و إتسعت حدقة عينها … و عصف بذهنها ألف عاصف و هبت فيه رياح و رياح … اليد ترتعش و القدم بالكاد تحملها … إقتربت من إبنتها التي كانت على الأريكة ملقية بنفسها و الدماء تغطي قميصها… والنبض فارقها و أخذت تضع يدها على فجوة في صدرها مكان القلب تركت فراغا … و الفتاة تنظر إلى أمها تشير إلى إطار صورة على الحائط معلقة  … و تشير إلى الباب … الأم تلتفت و تقول … أين قلبك يا إبنتي … الدمع من العين في إنهمار … أين قلبك … ماذا فعلتي … أين قلبك … لما فتحتي الباب … 


شكراً…




أكمل قراءة الموضوع...

الخميس، 4 فبراير، 2016

يوم إلتقاها ... فحقق الحلم ...

By 10:25 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





إعتاد عند خروجه من المدرسة … أن يتجنب العودة إلى البيت من أقصر الطرق … فيشق الطريق الأطول … الذي يمر به من وسط السوق … حباً في مشاهدة الباعة و المتسوقين ، و البضائع و عروض الحلوى و الشكلاتة … و يبطئ في مشيته عندما يقترب من بائع المكسرات ، وهو يرى يديه ببطء تتحرك و هو يمسك الملعقة المسطحة التي يستعملها لتحميص اللوز و المكسرات في الفرن الصغير الذي يضعه أمام مدخل دكانه … والأبخرة منه تتصاعد … و كلما إقترب … تراءت له حبات اللوز تتقافز على ذاك الصفيح الساخن و هن يتناثرن على بعضهن البعض … و كلما إرتفعت إحداهن سقطت الآخرى …  وكلما سقطت تلامست بحرارة الصفيحة الساخنة فزادها حمرة و تغلغلت القرمشة إلى تفاصيلها لتكون أكثر ضجيجا عند قضمها … رفع عينه لينظر إلى الرجل الذي لم يكن منتبها له ولا لمروره … ليستمر في مسيره وهو يسمع صوت الحبات يتقافزن و يتطايرن ويتمايزن … 

يتنقل بعينيه من زجاج عرض إلى آخر … ينظر يمينا و شمالا … يلاحق القطط التي أخذت من أمام الجزار مستقرا لها … يقطع الطريق الفرعي … يمر أمام البريد … وبجانبه الحلاق يعزف عزفته على رأس أحد زبائنه وهو لا يكف عن الكلام … نشاط في السوق و في كل المحلات … و بالأخص … في مطعم تقديم سريع الوجبات … فوقت الغذاء … و وقت الخروج من المدرسة … سوءا … 

نزل الدرجات القليلة المؤدية إلى الطريق الرئيسي حيث سيحتاج من يساعده على تخطي الطريق و عادة ينتظر حتى يقطعها جمع آخر من الناس … ينظر إلى إزدحام ذاك المطعم … و تقع عينه على  رجل جالس يكاد يحتضن رغيف خبز بشرائح اللحم المحمر مملوء … يغمض عينيه وهو يقربه إلى فمه مستمتعا باللحظة … يغوص في لذة الطعم و متعة إنتشاء تذوقه … و كأنه يغيب عن المكان ليكون في عالم آخر تلك اللحظة التي يمتلئ فيها فمه بمزيج شرائح اللحم و الخبز الطازج و قطع البطاطا و الطماطم و الخيار المخلل … و بعض الفلفل المهروس … إنه صورة حية لمعنى الإنتشاء بلذة الطعام … 

يشعر بقرع في بطنه لكثرة تركيزه على حال ذاك الرجل … و يمني نفسه بوجبة غذاء تسكت طبول بطنه تنتظره في البيت … يصل آخر الممر الضيق ليخرج إلى متسع الطريق و يقف على حافتها … ينظر يمينا … يسارا … يعيد النظر إلى اليمين و في منتصف إلتفاتته ينتبه … يلتفت مجددا نحو اليسار … يخطو خطوات … يركز أكثر … يقترب … يقف صامتا بلا حراك … يغيب عن الزحام الذي حوله … ليس بينه وبينها إلا زجاج العرض … كأن الجميع إختفوا … كأنه إنتقل إلى بعد مختلف … ليس فيه أحد إلا هو … و هي … هناك واقفة … غير مبالية بشيء … مدهشة … مغرية … شكلها أنيق … تفاصيلها دقيقة … خطوطها ساحرة… كلها … لها جمال آخاذ … يا إلهي … ما هذا … نسي كل شيء … نسي الجوع ولهفته للطعام توقفت طبولها  … نسي الحلوى … نسي البيت و العودة إليه …  و وقف مشدوها يشاهد و يركز في لمعانها … في المنتصف واقفة … تأملها … بشغف … و إعجاب … تأملها بهيام و إنسجام … نقلته إلى عالم كان يراه فقط من خلال الآخرين … لا يعرفه … لم يزره من قبل ، ولكنه رأى الكثيرين يزورونه و كيف كانت تعابيرهم تتبدل و يغيبون عن ما حولهم للحظات … و يعرف ذلك في أعينهم جيداً و في حركاتهم أيضا … و ها هو يعيش ذات اللحظة … ذات الإحساس … لا شيء يفصل بينه وبينها … و بين سحر جمالها إلا زجاج شفاف … معروضة في مكانها … على أربع دواليب شديدة السواد واقفة … إطار أبيض يحيط بكل دولاب من دواليبها … و لمعة فضية في المنتصف تعكس وجهه … ممتدة … عينيها دائرية … زجاجها شفاف … اللون الفضي يحزمها بشريط رقيق ناصع لامع … إمتداد زوايا إنارتها الخلفية و منظر زجاجها الأمامي … لا سقف يغطيها مكشوفة حمراء غامقة … بكراسي جلد بيضاء متناسقة في كل زواياها … أصابته في قلبه … هزت عقله … أعجب … أغرم … وهو الذي لم يعرف الحب من قبل … 

بقي في تلك اللحظة زمنا لم يذكر مداه ، ولكنه بضجيج الشارع و صوت منبه السيارات عاد إلى الواقع الذي كان فيه … وهو يعرف بينه وبين نفسه شيئا واحدا فقط … أنه يجب أن يحصل على هذه السيارة ، يجب أن تكون ملكه … 

تناول غذاءه على عجل … و ركض إلى حيث أخفى حصالته التي صنعها من علبة صفيح أحدث في آخرها فتحة صغيرة … و إن كان غلاف العلبة يسهل فتحه … ولكنها الطريقة الأمثل ليشعر أن ما يدخل إلى هذه العلبة لن يخرج منها … 
و لكن الآن لدينا هدف نريد تحقيقه ، لدينا ما نسعى له و نعمل لإجله … أخرج مافي العلبة من نقود و أخذ يعدها … و سجل الرقم في إحدى كراساته و قال سأرى … كم ينقصني حتى أحصل عليها … سأسأل على ثمنها غدا …

لأول مرة يمر اليوم الدراسي ببطء شديد … لم يتمالك نفسه في كل حصة إلا بجهد جهيد ، و هو يتخيل أن المعلمة بلون أحمر و حاجباها فضية اللون و عينها تصدر إنارة قوية … وصوتها كصوت محرك السيارة و لا يفيق إلا بصوت المنبه لتسأله المعلمة بقول … أين أنت … هل أنت معنا … إنتبه … 

ما أن سمع صوت جرس إنتهاء الحصص … حتى إنطلق مسرعا مخترقا السوق … غير مبال بالمحلات و المكسرات و القطط و العروض على جانبي الطريق … لم ينظر حتى لإزدحام المطعم و إستمتاع الجالسين بالطعام … لينتبه فقط أنه منتصب أمام زجاج خلفه تقبع حبيبته … ماتزال كما هي ببهجتها التي أثرت به البارحة … لم تتغير … ولم ينقص من تأثيرها عليه شيء … وقف مطولا يتأملها … و يتعمق في تفاصيلها … حتى سمع رنة فتح الباب الزجاجي و أحد الزبائن يخرج … فأمسك الباب قبل إغلاقه … و دخل متسللا … يلتفت حوله مراقبا … إتجه نحو البائع … وسأله مشيرا بإصبعه إلى تلك السيارة … بكم هذه؟ …

إنحنى البائع ذو الشعر الأبيض الخفيف … مبتسما … وقال هذه السيارة بستمائة … فقط … شكره و خرج واقفا أمام الزجاج ليشاهدها أكثر … و يتمعن فيها أكثر و يزيد إصراره على أن يقتنيها … و تكون ملكه … 

جلس يعد ما لديه في حصالته من جديد ، و لم يهتم كثيرا للرقم الذي كتبه سابقا … فوجد أنه يحتاج الكثير جدا ليمتلك ثمنها … فأخذ يفكر في وسيلة يحصل بها على ما يكفي من مال … فتخاطرت الأفكار عليه و قام من مكانه مسرعا نحو والدته … ليعقد معها إتفاق أن يكون هو من يقوم بشراء إحتياجات المنزل من بقالة على أن يأخذ كل ما يتبقى معه من مال المشتريات لنفسه … فسألته لما تريد ذلك … لم يرغب في إخبارها بشيء حتى وافقت على طلبه  … وكذا عقد إتفاقه مع والده … الذي كان مصدر المال لمشتريات البيت من بقالة … 

وهكذا أخذ على عاتقه هذا العمل … فكان ينتظر بفارغ الصبر متى يطلب شيء و ينقص آخر و يسأل يوميا … هل ينقصكم شيء ؟ هل تحتاجين شيء يا أمي … و إعتاد أن يكتب كل طلباتهم حتى لا ينسى شيئا … 

بعد مرور ثلاثة أشهر و زيادة  … مرت كلها في شوق و إنتظار و عمل وإجتهاد أدى به إلى التعرف على أغلب باعة تلك المحال و الدكاكين ، و صار الكل يعرفه … وهو لا ينسى المرور على سيارته كل يوم يتأملها و يتأكد من تواجدها و عدم بيعها …

أتى اليوم الذي إنتظره كثيرا … دخل إلى البائع و قال له و الثقة تملأه … أريد شراء هذه السيارة … تفحصه البائع و دقق فيه و في ملامحه الجدية … و قال له مازحا … ولكنك مازلت صغيرا … كيف تشتري سيارة ؟ 

فعلت وجه الصغير حمرة غضب وهو يمد يده بثمن السيارة كاملا… فتداركه الرجل وهو يستلم المال من يديه و قال حسنا حسنا … تفضل … من هنا … تبعه إلى حيث السيارة و قال له … تفضل …

وقف لحظات … إلتغى فيها كل شيء فيما بينه و بينها … وها قد أصبحت له … ملكه … سيجتمع بها … لن يبتعد أحدهما عن الآخر … تعبت كثيرا حتى وصلت إلى هذه اللحظة … حتى إمتلكت الحق في أن تكوني لي … أخرجها من العلبة … و قبض عليها بيده قبضة قوية … و وضعها في جيبه و إلى البيت فرحا بإنجازه وما بذل لأجله من جهد وما حقق إنصرف … 



شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...