بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأربعاء، 14 يونيو، 2017

فارق العمر ...

By 2:09 ص
السلام عليكم و رحة الله و بركاته



كانت تجلس في الحجرة تلاعب إبنة خالاتها بدمية في يدها عندما دخلت أمها الغرفة و هي تطلق الزغاريد وتهلل و تضمها وتقول ... أتاك سعدك يا جميلة الجميلات ، رجل ليس ككل الرجال مظهر و أسرة ورجولة ومال ... لن تجدي خيرا منه زوجا لك أبدا...

فرحت لفرح أمها و صفقت معها وإن لم تك تعي ما يحدث حتى هدأت الأم و أخبرتها بوضوح أنها خطبت من رجل محترم يخاف الله وأن والدك وافق على الخطبة مبدئيا حتى تري أنت و تعطي رأيك فأنت الآن راشدة بالغة  ... هزت رأسها بالقبول و هي تخفي أسارير الفرحة المختلطة داخلها بعدم فهمها بحقيقة ما يحدث لمباغثته إياها ... ولكن بما أن امي فرحه وأبي موافق إذا هذا شيء فيه لي خير...

لم يمض على وضع الدمية على الأرض وقت حتى سمعت الزغاريد و تهيأت الفتاة لتكون زوجة لرجل عرف عنه و عن أسرته الصلاح والخيرية و الأصل و المال ... زفت وهي فرحة لفرح الجميع من حولها زهوا وطربا وسعادة... غير أن فرحتها تجمدت عندما علمت أن إبن الحلال هذا الذي زقت إليه يكبرها بواحد و عشرين عاما... لم تكن تعي معنى فارق العمر هذا ولكنها عندما وقفت بجانبه في ليلة زفافها ، أحست الفرق في وجوه صديقاتها بأنها وردة جميلة تقف إلى جانب شجرة عتيقة لا تناسبها... وقد علقت إحدى الحاضرات قائلة... كيف رضيت بهذا الرجل و فارق العمر بينهم كبير جدا... فردتها أمها قائلة لا علاقة للعمر بالسعادة الزوجية كوني واقعية فهو رجل خلوق و محترم يخاف الله ومن أسرة عرف عنها العلم والمعرفة و الجد في العمل ... فطرمت الفتاة شفتيها و التفتت و أخذت تصفق و في عينيها رسالة لتلك العروس مفادها... يالك من مسكينة...

تجمد كل شيء في عقلها و سرحت ترسم إبتسامة لترضي أمها ومن حولها بها فرح ... وهي بداخلها تنهش نفسها ندما على ما جنت به أمها عليها... أيعقل أن أتزوج رجلا يكبرني بواحد وعشرين عاما؟ يا الله يالحسرتي وعاري بين الصديقات ... يبدو كالشيخ الكبير بجانبي... وأمي تقول أنه في ريعان شبابه رجل ولا كل الرجال... 

تسلسلت الأيام و تسربت ... و هي على قناعتها أنها ظلمت وأن زواجها هذا كان بمثابة حكم بالإعدام على شبابها و زهرتها و نضارة جمالها... كالوردة الندية زرعت بين أشواك تشوكها أينما أمالتها النسمات... 

تجنبت الظهور في المحافل العلنية رفقة زوجها ... تجنبت أن تراه صديقاتها وبذلت كل جهد حتى لا يراهما أحد معا وكانت تنعي حظها معه ليل نهار ، و إذا ما حاورتها أمها قائلة: 

هل يسيء إليك؟ هل ينقصك حقك؟ هل هو شخص سيء حتى تتصرفي بهذه الطريقة... 
فتقول وهي تهز كتفيها و رأسها يمنة و يسرة لأكون معك صريحة... 
هو شخص طيب وخلوق جدا ويحبني كثيرا و يراعي مشاعري ولا يسيء إلي ولم يرفض لي طلب حتى الآن... 
إذا مال الذي تريدينه أكثر من ذلك؟
أنت لا تفهمي ولا تعرفي كيف تنظر لي صديقاتي عندما نكون معا و يروننا وكأننا جميلة و الوحش!
ولكنه وسيم وليس بقبيح وألف فتاة تتمناه وتتمنى أن تكون له زوجة... 
أنا لست كالبنات ، أنا غير... كانت تقولها و تنهي بذلك الحديث ... فلم يكن هناك ما يمكن أن يقنعها بعكس ما تلبسته من قناعة أنها ظلمت بفارق العمر هذا... 

ولكنها إستمرت في عيش حياتها كما أرادت من تخطيط و توجيه و إستعمال لحنانه عليها و تنفيذ طلباتها لتصنع لنفسها ما يعوضها عن هذا الإحساس بالظلم أن أنشأت لنفسها هالة من الرقي المادي بالسكن في بيت بمنطقة عرفت بالرقي ، وحرصت على أن ينظر إليها أنها من نساء الطبقة المتعلمة الراقية الثرية ... وإن لم يكن زوجها كثير الثراء إلا أنه كان يتحرى الحلال فكان لرزقه بركة تفوق ما يجنيه غيره بعيدا عن الحلال... 

أنجبت من الإطفال ثلاثة ... ولد و بنتين ... و كانت تصر على زرع فكرة الزواج من عمر متقارب كي لا تتكرر غلطتها ولا تعيش إبنتها مرارة ما عاشته بسبب ما كان بينها وبين زوجها من فارق عمر شاسع كما رأته حال بينها وبين الإنسجام معه في شيء... 

فكان الرفض نصيب كل من تقدم و فارق العمر بينه وبين إبنتها كبير أو رأت أنه لا يناسب مقياسها و خبرتها عن تجربة... وإن كان ذا خلق و مال و جاه... نعم هو شخص مقبول ولكن إحذري يا إبنتي أن تكرري غلطة أمك ... حتى أتى اليوم الذي تقدم فيه شاب وسيم من أسرة عريقة لا يتعدى الفارق في العمر بينه وبين إبنتها الثلاث سنوات ... فكانت الموافقة و تم الزفاف بتنظيم إعتبر الأرقى في محيطهم ...

غمرتها الفرحة وهي تنظر لإبنتها تجلس بجانب زوجها ليلة الزفاف و كل منهما يليق بالآخر و يكمله ، أحست بأنها عوضت نفسها عن ما حدث وأنها جنبت إبنتها ذاك الإحساس الذي لا تنساه ما عاشت... سعادة لا توصف ، تحدث إبنتها الأخرى قائلة عليك أن تتعلمي من أختك انظري كم هم متقاربين شكلا و مضمونا؟ ، حتى صديقاتها يحسدنها دققي في نظراتهم لهم؟... فتجاهلت إبنتها كلامها لأنها تعرف أنها ترغب في الزواج من رجل يفوقها بسنوات لن ترضى أمها عن هذه الزواجة... ولكن لا حيلة لها إلا الإنتظار...

تسارعت الأيام ومضت ليُطرق الباب و ترى الأخت من الطارق  ، وإذا بها الزوجة تدخل مسرعة و تقول "لم أعد أرغب في العيش معه طلقوني لن أعود له إلا جثة هامدة" 
سقط الكوب من يد الأم  عند سماعها صراخ إبنتها و هرعت و هي تسأل خير ماذا حدث أخبريني ما الذي حدث؟ 
لن أطيق البقاء معه يوما آخر ... قالتها وهي تلقي بنفسها على الكرسي و ترمي ما بيدها بيعدا... و الكحل خط ينساب على الخد مع الدمع... 
رويدك يا إبنتي قالت الأم ومنها إقتربت ... ما الذي حدث أخبريني 
لا يا أمي لن أبقى معه يوما ... لا توافق بيننا ولا إنسجام هو في عالم غير العالم الذي أنا فيه وأنا بعيدة جدا عنه لا يمكن أبدا أن أبقى مع إنسان بهذا التفكير ... 
ولكن يا إبنتي أنتم منسجمون و متقاربون في العمر وعشتم فترة زمنية واحدة فكيف لا تنسجموا؟
هذا خيال يا أمي ليتني لم أسمع كلامك ... ليتني تزوجت رجلا ناضجا يفرق بيني وبينه كما بينك وبين أبي ، لن أكرر هذه الغلطة ولن أسمح بها مجددا... 
وإلتفتت إلى أختها و هي تقول... إياك أن تتزوجي من هو قريب منك في العمر والأفضل أن تبحثي عن رجل ناضج يخاف الله كما يخافه أبي و يتحرى الحلال كما يفعل هو حتى وإن كان أكبر منك بثلاثين عاما... 

لم تحتمل الأم كلامها وأحست أن كل ما حاولت أن تجنبه إبنتها حدث ، بل أن ما لم يحدث معها حدث مع إبنتها فلم ترى يوما من زوجها الذي كانت تكثر الشكوى منه و تبتعد عن الظهور معه في الأماكن العامة أي تصرف من التصرفات الرعناء أو العصبية والمعاملة السيئة ... ولكنها دفاعا عن أفكارها و ما حرصت طوال عمرها على أن تلقنه إبنتها... صفعتها لتسكتها عن ما تقول وقالت... لا تشوهي أفكار أختك وعدم نجاحك في زواجك لا علاقة له بالفارق العمر... 

ساد صمت الأنفاس للحظات حتى بات ما تصدره عقارب الساعة من صوت كضجيج الأسواق في يوم مزدحم... 

فقامت الأخت الصغرى وقالت بهدوء... إن كان العمر لا تأثير له على الزواج ولا علاقة ، فلما عشتي حياتك و نحن معك في أسى وشكوى مستمرة من أنك تزوجت رجلا يكبرك بعشرين عاما ... أنت من زرع فينا هذه الفكرة وأنت من أصر عليها و الآن أنت تحكمي بأن العمر لا علاقة له؟ 
لقد أهنتي أبي في كل فرصة وكنت تتبجحي عليه أنه تزوجك صغيرة وأنه يكبرك بأعوام ، في حين أننا كبرنا ولم نرى من أبي إلا المعاملة الحسنة لك و الصبر على كل ما تفعلي معه... على عكس ما تخبرينا به.
وقفت الأم و بعصبية شديدة وصرخت ، إخرسي ولا تتفوهي بكلمة أخرى ما هكذا ربيتك على قلة الأدب... 

فقالت الأخت الكبرى و العبرة تخنقها ، معها حق يا أمي معها حق ، أنت من حول فارق العمر بينك و بين أبي إلى مأساة عشنا فصولها بلا ذنب منا ولا منه ... وها قد تزوجت رجلا بفارق عمر إرتحتي له ولكنه لا يساوي شعرة من أبي في المعاملة التي حصلتي عليها طيلة زواجكم حتى اليوم ... معها حق وليست قلة أدب ولكن أنت من لم يفهم معنى الزواج منذ البداية و كنت ترغبي فقط في أن تظهر صورتك فاخرة متفاخرة أمام الجميع ولم يكن أبي يكمل تلك الصورة فعشتي في هذا المسلسل الذي كنت أنت بطلته المظلومة... في حين أن أبي هو المظلوم وهو الضحية في زاواجه منك بسبب شعورك الغير مبرر هذا... وها أنا أيضا أصبحت ضحية أخرى ... وإنهمرت بالبكاء ... 

انهارت الأم وعلى الكرسي إرتمت وهي تكبي و تقول كفى... كفى ... إنحنت إبنتها الصغرى عليها تواسيها و تقول... 
لننهي هذا المسلسل يا أمي و لننظر لأخلاق الرجل لا عمره فها أنت شكوتي من الزواج من رجل يكبرك بأعوام و ها هي أختي تشتكي من رجل ليس بينها وبينه أكثر من ثلاث سنوات و كلاكما يشتكي وكلاكما غير مرتاح ، رغم أن أبي لم تري منه طوال سنوات زواج ما رأت منه أختي خلال سنتين من زواجها... كفى يا أمي ... كفى و لتغيري نظرتك للزواج وتعترفي أنك ضيعتي على نفسك و علينا حياة أكثر سعادة ... كفاك عيش دور المسكينة ... كفى... فالزواج ليس بفارق الأعمار و تقاربها ينجح ويفشل...

شكراً
أكمل قراءة الموضوع...

الاثنين، 12 يونيو، 2017

يوم لا ينفع الندم...

By 12:21 ص
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته 



أخذت الشركة في التطور بعد جهد بذله وزاد توسيع العمل مما فتح مجالا لموظفين جدد بها... لم تكن شيئا يذكر قبل أن يُستدعى ليديرها وكان أصحابها يرون لا أمل فيها ، ولكن لابد من إستمرارها حتى لا يقال أنها فشلت... ذلك أن شريكهم فيها هو دولة أو جهات لها بالدولة إتصال... 
قال عندما دخل متجرها أول مرة... إن كنت زرت في حياتك أحد الجمعيات الإستهلاكية ، تلك المنافذ اليتيمة التي كانت توزع البضائع للمستهلكين في عقد الثمانين من القرن الماضي... أكثر ما يمكن أن تراه هو أرفف تأوي الغبار وآثار علب كانت هناك... و قطع متناثرة من بقايا بضاعة لم يبقى فيها ما  يصلح أو فقط تجد بقايا أغلفتها التي لا يمكن إستهلاكها بشريا... كما لو أن إنهيارا للحياة مر من ذاك المكان كانت البداية في شركة لم يهتم أحد بها ولا بمن ينفق على أهله بالعمل فيها... 
رويدا رويدا بدأ في فهم النظام القائم و حدد ثغراته وبدأ في سدها ببما تقتضي الأولوية في إيجاد الحلول لإعادة إحياء هذا الجسد المنهك إهمالا وليس قدرة.
لم تمضي أشهر قليلة حتى إنقلب حال الجمعية إلى شركة حقيقية بتضاعف الدخل إلى أربعة أضعاف بخروج كل البضائع من مخازنها و إعطاءها عرضا يليق بها و بعين مشتريها، وبذلك زاد عدد موظفيها ، فقد كان ذلك أحد الأهداف التي سعى لها بعد أن فهم النظام ، أن يزداد عدد المستفيدين من هذا المشروع... الذي بدا ناجحا على عكس ما كان يتصور أصحابه وبدا الدخل منه في إزدياد،  فتغير إهتمامهم به وزاد ليزداد ترددهم على غير العادة ، فقد بات هناك ما يمكن لأصدقائهم رؤيته... مكتب و وجاهة... 
وبما زاد من تطور العمل وإنتشاره في المدينة لينتقل إلى مدن آخرى ... بات الإحتياج لمن يدير الجانب الإعلامي من إنتاج للمواد الإعلانية و الدعائية ليزيد إنتشار الشركة و منتجاتها...والتعريف بها، أمرا لا غنى عنه... فقصد شركة للدعاية والإعلان بتوصية من صديق له ليعقد معهم إتفاقا لتولي مهام إنتاج إحتياجات الشركة، بما يناسب السوق و المواسم... 
كان اللقاء مساء بعد إنتهاء العمل وإغقلا المتاجر... مكتب في أحد غرف بيت واسع بحديقة به تحيط... شيء من الإهتمام بالفخامة في تفاصيل المكتب و كراسيه... إضاءة خفيفة و جلسة بدت لطيفة ... 
بدأ الحديث بالتعريف عن نفسه والشركة وعرض إحتياجاته و متطلباته و فكرته عن ما يحتاجه من الشركة لتوفره و تهتم به ، و فصل في أهدافه لتكون الصورة بالكامل واضحة جلية ليكون كل شيء مفهوم و يرد بإمكانية شركته لتولي هذه الخدمات و الإتفاق على كيفية تقييم الأعمال و الدفع و غيرها من التفاصيل... 

كان يقول أن كل شيء بدا مبشرا في توفر كل ما يحتاجه و توافق في الأفكار و تنفيذها و تفاصيل إنتاجها وجودتها... وما أن إنتهى الحديث الفني و تفاصيله حتى بادره مدير شركة الدعاية قائلا... و نسبتك أنت كيف تريدها؟ 
فرد والإستغراب على وجهه مرتسم ... نسبة ماذا؟ 
فعبر عن ما يقول بحركات توحي بأن الأمر بديهي فلما الإستغراب و قال... نسبتك أنت حقك ... ترغب أن يضاف إلى السعر الإجمالي للخدمات أم ترغب في أن يكون منفصلا؟ 
فكان رده مباشرة و حازم ... ولكن أنا موظف بالشركة وإن كنت مسئولا لا يحق لي أخذ مال أو نسبة على ما أقوم من واجب العمل وأتقاضى مرتبا عليه!...
هز رأسه مشدوها وألقى بنفسه متكئا على الكرسي المريح و نظر إليه وقال ... سوف تندم ...
فقال لا لن أندم... 
فرد المدير قائلا ... كنت أفكر مثلك ولكنني إكتشفت أن هذا لا يصلح وأنك إن لم تفعل ذلك لن تحصل على شيء ولن تحصل على حقك ... وأقول لك أنك ستندم...
فكان رده عليه بسؤال ... أتدري متى سأندم؟
هز رأسه متسائلا ... متى؟
فقال بهدوء وهوو يقوم مغادراً... عندما أُلف بقطعة قماش بيضاء بلا أكمام... و أمدد جسدا في حفرة ضيقة ... سأندم إن أخذت مالا ليس لي فيه حق... حينها حقا سأندم... و لن ينفع الندم ... أبداً لن ينفع الندم...

شكراً...
أكمل قراءة الموضوع...