بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأربعاء، 25 نوفمبر، 2015

بسلام ...

By 10:28 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 



عندما إجتزت جسر المشاة الذي  يقطع الطريق السريع و إتجهت يميناً ، حيث الطريق ضيق مغلف بالأشجار ليبدو كأنه نفق ضيق نهايته ملتوية ... تشعر كأنك ستنتهي لنهاية مسدودة بتكاثف الأشجار و تعاضد أغصانها لتظلل الممر … و الطريق فيها تذوب وتنتهي ...

بجانب عمود الإنارة … عند حافة إلتواء الطريق … قرب أعشاب غامقة الخضار …  وقفت قطة بلا ظل … شهباء تكسوها خطوط غامقة من ذات اللون في جلسة متكئة على قائمتيها الأماميتين كأنها تمثال يحرس بوابة … تفرد طولها و أذنيها تتحسس الصوت القادم ... و العين تركز جيداً في هذا الجسم المتحرك الذي يتجه نحوها يمشي على قدمين يكسوه السواد ... ولا يشبهها …

حركت ذيلها على الأرض ولم يكن شيء غير الذيل فيها يتحرك ... كأنها تقول هذا الطريق لي أنا فلا حق لك في المرور منه أو الإقتراب ... 

فكرت في نفسي أن القي عليها السلام ... فقد تفهمه وتعيه ، وكان كل ما يدور في ذهني أن أمر بها بسلام لها ولا اؤذيها أو اضايقها في مملكتها ومنطقة نفوذها وحكمها ... لم يخطر ببالي أي شيء إلا أني أقول لها يا قطة أنا فقط عابر سبيل سأعبر أرضك إن سمحت لي و لن أشكل تهديدا لك أو لأحد من رعاياك  ... بل إني أتمنى لك كل الخير و إن كان بوسعي الآن لأهديتك شيئا تحبي أكله ... و أعرف أنك لا تفضلي الفئران ولن أفكر في أن أحصل لك على واحد وأنت صاحبة الخبرة في إصطيادها فمن أكون أنا بجانبك  ... ولكني و إن لا أحمل معي شيئا يمكن أن أعطيكه ... إلا أني جئت بالسلام مرورا ... وكل حركاتي و تحركاتي مسالمة وهذه إبتسامة رضا وسلام … و قلب مليء بالمحبة لك
ما إن اقتربت منها حتى وقفت على قوائمها الأربعة كأنها ريشة تحملها النسمة الهادئة لا تكاد تتحرك في الهواء ثابتة  ... و أزاحت لي الطريق لأمر كما أردت بسلام ... 

تلك كانت قصة قطة إلتقيتها اليوم بعد أن إجتزت الجسر و إتجهت يمينا حيث الطريق ضيق مغلف بالأشجار ...


شكراً
أكمل قراءة الموضوع...

الأحد، 8 نوفمبر، 2015

لا تتأخري ...

By 9:52 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




على صوت المؤذن بالتكبير أفاق من نومة عميقة … الصوت مرتفع جداً فالمسجد ملاصق لبيتهم … و أحد مكبرات الصوت موجه مباشرة لغرفته التي إعتاد إبقاء نافذتها مفتوحة دائما  … يستفيق بمجرد تشغيل المكبر و يسمع صوت طقطقة المؤذن للتأكد من عمله … 
كمن بات ليلته في عراك و مصارعة مع عفاريت الشوارع… يشعر بجسده المتفكك و عظلاته المشدودة و الآم في مفاصله … تنهد … قام من سريره … نظر من النافذة وهو خارج من غرفته نحو مدخل المنزل … فتح الباب و وقف عند العتبة يحك شعره … ينظر للسماء … يفكر ، كم الساعة يا ترى … من ركن سيارته هنا … سأعرف كيف أمنعه من ذلك مجددا … 
مر أحد الجيران و حياه رافعا حاجبيه  … لم يهتم له … أغلق الباب و إتجه إلى دورة المياه …

وقف دقيقة ينظر إلى مقبض الثلاجة … مد يده … أمسكه … و بقي ينظر إلى الصورة المعلقة عليها بعض لحظات … ثم سحب الباب إليه و شرعه … نظر نظرة متفحصة لما فيها … لم تصادف عينه شيئا أغراه ليأخذه … حك أنفه و أذنه … أغلق الباب و إنصرف … نحو المدخل …
مر بغرفة الجلوس … ألقى نظرة إلى أمه الجالسة تقرأ في مصحفها … و التلفاز يصدر ضجيجه … بمحطة تعرض وصفات أكلات منوعة … لم يتوقف … حتى وصل إلى المدخل … سحب الباب ببطء شديد … و خطى خطوة ليقف عند العتبة … 

أرخى نفسه واقفا … لتنتفخ بطنه … و يهبط كتفيه … و تنحني رقبته … و رأسه يلتفت يمينا و يسارا في ذاك الشارع الضيق … 
بالكاد تمر منه أي سيارة … الجميع في أعمالهم و على وشك العودة لبيوتهم … و هو بفارغ الصبر ينتظر … تسمر في وقفته تلك … و عقله شبه فارغ من كل ما يمكن أن يراود شابا في عمره … كل ما يراوده … متى تعود … لقد تأخرت … لماذا تتأخر كل يوم هكذا ؟ 
تقدم خطوة واحدة من عتبة الباب و جلس متكئا على الطرف المغلق منه… و ضع يديه على ركبتيه كأنها ملقية … أسند رأسه على الحائط مستقبلا السحب … يردد في نفسه … هيا عودي … هيا عودي … أين أنت … هيا عودي … أغمض عينيه بشدة و صاح بداخله … هيا عووودي … سئمت الإنتظار … ما هذا … هيا عودي … لماذا علي أن أنتظر دائما هكذا … 

سمع صوت سيارة تقترب نهض من مكانه ليرى … إذا بها تدخل الشارع المقابل … ولا تستمر في إتجاهه … 
عاد و ألقى بثقله على عتبة الباب و جلس جلسته مجددا … ولكنه هذه المرة القى برأسه بين ركبيته و كاد يغيب في نومة تائهة …  حتى إنتبه لسيارة تقف أمام الباب مباشرة … بالكاد فتح عينيه … ليجد أخته قد عادت من عملها … فتحت باب سيارتها لتنظر إليه … رفع رأسه … 
قال … أريد عشرة دينار …
نظرت إليه نظرة خاطفة … نزلت من سيارتها و أغلقت الباب و دخلت البيت و هي تلقي له بورقة نقدية بقيمة عشرة دينارات … 
إلتقطها … و طار من مكانه … نحو اولائك الشباب … إقترب منهم و أشار برأسه … لأحدهم … سلم عليه … ليبادله حبة بتلك الورقة النقدية في مصافحة سريعة … عاد لحيث كان … و قد إبتلعها … 
ألقى بنفسه على العتبة متكئا على الباب و جزء من الحائط بجانبه … وضع يديه على ركبته و بينهما أسقط رأسه …  بقي مجمدا هناك بلا حراك ، لولا أنه كان يتنفس و صدره يرتفع و ينخفض … لإعتقد من يراه أنه فارق الحياة… 
سمع صوت آذان المغرب ليرتعد جسده و يعود لسكونه متنفسا ببطء …  سمع صوت باب البيت يفتح … و أخته تخرج في كامل زينتها … نظر إليها و قال … 

لا تتأخري …


شكراً…


أكمل قراءة الموضوع...