بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأربعاء، 17 أغسطس، 2016

لحظة في المستقبل… ستعود بك إلى الآن لترى ما فعلت فيه

By 8:38 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 


في يوم ما ، في ساعة ما في مكان ما … ستحين ساعتك (أطال الله في عمرك في طاعته وبارك لك فيه) و عندها سيصبح بصرك حديد وترى الحقيقة بوضوح، و ترى أشياء ما كنت تراها، و ربما يختفي عن نظرك كل ما كنت تراه، كما لوأنك أفقت من حلم، و الدنيا هي الحلم وأنت الآن في واقع الحقيقة… يمتد بصرك لترى ملائكة مصطفين عن اليمين و الشمال… ورؤيتهم قد تعطيك بشارة عن إلى أين المصير… أبيض هم أم سود… ما بين أيديهم مما سيحملونك فيه… رحمة هو أم عذاب… وإذا بك تسمع ملك الموت الواقف عند رأسك يقول… يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية… (لا نريد أن نتصور أن يقال لنا غير ذلك بإذن الله فظننا بالله حسن) 

مازلت معي؟ 

نعم تصور هذا الموقف يحدث لك في يوم ما، في ساعة ما، في مكان ما… وهو في المستقبل بما أنك تقرأ هذا الآن…
الآن… في ذاك الموقف… في تلك اللحظات… حاول أن تنظر خلفك… وأن تركز جيدا فيما تركت… فيما فعلت و عملت و قدمت لنفسك من عمل… 
هل مازلت معي في تصورك؟ والملائكة مصطفين أمامك و الأمر بخروج روحك صدر؟
عندما تكون في ذاك الموقف… فإنك تنظر إلى نفسك اليوم… على ما عليه أنت الآن و أنت تقرأ هذه الكلمات… فعندها اليوم سيكون هو الماضي و ستأتي تلك اللحظة التي نتصور أنا وانت في المستقبل… لننظر إلى اليوم و تسأل نفسك… ماذا قدمت؟
ماذا فعلت؟ حقا ماذا قدمت لله و دين الله و دعوة نبيه؟
أمازلت معي في ذاك الموقف الذي نتصور؟
عندما يصبح البصر حديد و نفيق من حلم الدنيا… لن يفيدنا ولا يهمنا مال، ولا عيال… ولا جاه ولا جمال ولن ينفعنا أو يفيدنا ما سيقول الناس أو ما يعجبهم أو لا يعجبهم… ولن يبقى في وجهك دم حتى يحمر خجلا أو يستشيط غضبا… لن تستطيع التفاعل مع من هم حولك… لأنها لحظة الحقيقة التي أفقت فيها من حلم الدنيا…

أمازلت معي؟ 

تصور أنك تنظر مد بصرك و ترى ما ستُحمل فيه روحك …

تصور ما كان لديك من برامج كنت تنوي القيام بها غدا ، غدا الذي لن يأتي بعد هذا الموقف … إلا على من تركت خلفك … أما أنت … الله وحده يعلم ما سيكون عليه حالك… “نسأل الله أن يكون خيرا مما كنا فيه في الدنيا” 

تصور معي وارسم الصورة في ذهنك…

بالأمس “ الذي هو اليوم بالنسبة لك الآن “ كنت تكره، كنت تحب، كنت تستطعم، كنت تتشاجر و ربما تغضب … مجددا تذكر أن الأمس بالنسبة للموقف الذي نتصوره هو في الحقيقة اليوم، لأننا اليوم على قيد الحياة نعيش الحلم … يومك هذا الذي تعيشه، هو الحلم … 

الآن قلي…

عندما تكون في ذاك الموقف… ما الأشياء التي ترغب في تذكرها يا ترى؟

ألست ترغب في تذكر كل خير فعلته في الدنيا و أنك أعطيتها قيمتها الحقيقية ولم تبالغ فيها ولم تظلم أحدا أو تخاصم أحدا أو تأكل مال حرام؟

ألست ترغب في أنك قدمت لدين الله أكثر؟ 
أن تبلّغ عن النبي ولو آية؟ ألن ترغب في أنك إستزدت أكثر من كل عمل فيه خير؟ وإبتعدت عن كل شيء ألهاك عن هذه اللحظة التي تسمع فيها … يا أيتها النفس؟ 

إن كنت ترغب في أن ترى الخير و تذكر الخير في ذاك الموقف … فالآن هو الوقت الذي عليك أن تستغله لفعل كل ما ترغب في تذكره حينها …
أنت ملكك الآن و بيدك فعل ما تريد … فلا تنتظر حتى آخر لحظة حيث لن يكون هناك وقت لفعل شيء… و ادع الله دائما أن يوفقك لفعل ما يرضيه… 

و قد ينفع أن نتذكر أن الله لن يحاسبنا كما تبحاسبنا المعلمة على ما طلبت منا من واجبات منزلية… أنها إن لم تجده مكتملا سنقف للعقاب… ولكن الله يعلم نوايانا و يعلم ما نريد حقا و صدق رغباتنا… ولذلك على الأقل حدث نفسك بكل خير تنوي فعله في هذه الدنيا و إبذل جهدك أن يستمر حديثك لنفسك فيه و تأكد أن ذلك سيتحول إلى عمل بشكل أو بآخر وعلى الآقل يحاسبك الله على صدق نواياك و تحصل على أجر النية و المحاولة وإن لم تأتي بالواجب كاملا.

لن يسع من بقي على قيد الحياة من الناس إلا أن يدعوا لك بالرحمة و التثبيت عند السؤال، ولن يمكنك العودة لتخبر الناس بقول ( ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) 

و لهذا فإننا ندعوا لكل من هو في دار الحق اليوم بالرحمة و المغفرة من الله و أن يكونوا ممن يتحمسون لقيام الساعة لما يرونه من  عالي مقاماتهم في الجنة… 

الآن لنعد إلى الواقع و نراجع أنفسنا أكثر… ونهتم بأنفسنا و قلوبنا أكثر، و نحب الخير لبعضنا البعض و نخدم ديننا أكثر… ولا ننسى أن ندعوا لمن هو الآن في دار الحق صديقنا “ناجي” الذي توفاه الله اليوم… بأن يثبته الله عند السؤال و أن يغفر له و يرحمه وأن يلحقنا به على لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن نجتمع جميعا في جنة الخلد على سرر متقابلين ، بقلوب لا غل فيها ولا لغو ولا تأثيم… 

رحمه الله و كل من هو في دار الحق من المسلمين رحمة واسعة… هدانا الله و إياك لما يجعل إستفاقتنا من هذا الحلم ببشرى القبول و الإطمئنان…

فإعمل الآن لما سيسرك في تلك اللحظة…



شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

الأحد، 7 أغسطس، 2016

يوم في حياة ... خروف

By 9:24 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 



صوت صفير خافت ، بتتسلل رياح من فتحات خلفتها مسامير في الصفيح المغطي لكل جانب من جوانب الزريبة … ومعها يتسلل نور الصباح ينير جوانب منها و به يفيق صديقنا الخروف … ومن معه 

سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان الله … يرددها بغلته بينه و بين نفسه… 
الركب مثنية و الرأس مطأطأ و الصوف خفيف … يقلل من وطأة حرارة الصيف … يحرك الأضراس يقضمها كأنما يقول لبقية الخراف … أسعدتم صباحا … 

يرفع الرأس و ينتفض واقفا … عند سماع صوت خطوات من الباب تقترب … و تزيل لوح البوابة و تفتحها …

ينظر الجميع إلى بعضهم كل يدعوا الآخر أن يتقدم هو … فيصر الآخر بأن يتقدم هو أيضا … حتى ضاق الخروف بهم ذرعا و تخطّاهم و أخرج رأسه من الزريبة ليتأكد أن الخروج منها مسموح … وأن راعيهم عند البوابة بخطوة إلى الوارء يقف …
تراءت له الساحة الخضراء داعية ، هلم هلم إشبع من عشبي وإملأ بطنك ولا تفكر في من هم خلفك … فهنا ما يكفيكم جميعا … هلم هيا تعال …

الجميع خلفه ينظرون إليه ملجمين الصمت بعد أن كان كل منهم يدعوا صاحبه أن يتقدم ، وإذا بهذا الخروف يتقدمهم … 

خرج دون أن يلتفت إليهم وإنطلق نحو الحقل و خلفه خرج البقية دون تفكير ولا سؤال وأعينهم جميعا تتبعه إلى حيث هو ذاهب … 
أخفض الرأس مباشرة ولم يذخر جهدا في أكل العشب … و هو ينتقي عشباته الخضرأ فالخضرأ … و احيانا تصادف أن رأسه تصطدم بغيره وهما يرغبان  في أكل ذات العشبة التي وقعت عليها أعينهما معا … وما يلتقطها أحدهما حتى يلتفت الآخر الى غيرها و يستمر كل منهم في السير على خط لنفسه دون تخطيط … يتبع فيه الأخضر من العشب … حتى تأخذهم أرجلهم إلى أماكن لم يسبق لهم أن مرو بها ، و يأكلوا أعشابا بنكهات لم يسب لهم أن تذوقوها … و يجدوا أحيانا من يمنعهم عن الإستمرار ليعودوا مجددا إلى حيث البقية …
سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان الله … يرددها بلغته بينه و بين نفسه … 

إنتصفت الشمس فوق الرؤوس فإشتد الضمأ بأحد الخراف … فأخذ يسير نحو بركة الماء ليشرب … وما كان من البقية إلا أن تبعوه و تبعه الخروف أيضا … أروى ضمأه و إلتفت نحو شجرة قريبة ، تُظلل تحتها … فإنصرف إليها … ليتبعه جمع منهم … إقترب من بقعة أعجبته … أرخى نفسه مستلقيا ثانيا الركب ممدا الرأس مجترا ما لديه من عشب … وإسترخى … في تلك الجلسة … تارة يرفع رأسه وهو يجتر … تارة خرى  يثنيه نحو جسده ، على الأرض يريحه …
سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان الله … يرددها بلغته بينه و بين نفسه … 
مالت الشمس عن قلب السماء لتهدأ أشعتها و تهب نسمة تجلب معها رائحة رطب العشب لتخترق أنف الخروف … فينهض … ومعه ينهض البقية … و يشغل نفسه من جديد في أكل العشب … سارحا من إتجاه إلى آخر … عينه تنتقل من عشبة يأكلها إلى عشبة سيأكلها بعدها … وإذا ما رأى خروفا آخر مبتهجا بما وجد من خصب عشب … حتى إتجه نحوه ليأخذ نصيبه منه أيضا …

لا يتوقف الجميع عن الرعي حتى يسمع صوت صفير الراعي مناديا أن اليوم أوشك على الإنتهاء … ليعود الجميع إلى الزريبة … و يغلق الباب من جديد …
إنزوى الخروف في جانب وألقى بنفسه … وهو يردد سبحان الله ، سبحان الله ، سبحان الله … 

وهو يعيد و يجتر ما أكل من عشب … حتى طأطأ الرأس و غط في نوم خفيف … إنتهى بصوت صفير خافت ، بتتسلل رياح من فتحات خلفتها المسامير في الصفيح  … ومعه شيء من نور الصباح …


شكراً…



أكمل قراءة الموضوع...

الثلاثاء، 2 أغسطس، 2016

الصُلح خير ...

By 9:01 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





رُكنت السيارات بتناثر حول القاعة التي أقيم فيها الإجتماع من أجل الصلح بين الأسرتين ، بوساطة من عقلاء و وجهاء كلا من الطرفين ، وكما هي العادات و التقاليد في هكذا إجتماعات مبرمجة من أجل المصلحة المشتركة و إبعاد شبح الخصام وتعمقه و إنتشار عدواه ،  لم ينطق أحد بكلمة فيما يخص أسباب المشكلة حتى ألقي بالأطباق و القِصاع أمام الجميع ، وليمة لها بداية و لم يراعى لها نهاية ، و يصعب وصف مافيها وما لحقها من فواكه و مرطبات ومشاريب وأطباق جانبية و مقبلات …
وما أن إنتهى الجميع من بذل الجهد في إلحاق لقمة بلقمة وأمتدت الأرجل و إنتفخت البطون ، حتى قدمت أكواب الشاي و الجميع  بدا وكأنهم أصيبوا بمخدر تمهيدا لإجراء عملية جراحية … أرخت منهم الأطراف  و تنملت والأعين نعست وإرتخت … 

أديرت أكواب الشاي ، خضراء و حمراء مكسوة برغوة ذهبية و بيضاء ومعها ورقة نعناع في وسطها ملقية…  أرتشفت و على الأرض وضعت … و إنطلقت على إثرها الإشارات إلى الوجهاء منهم و كبارهم ليبدأ الحوار و يعقد الصلح ، وهو أملهم في هذا اللقاء … 

تنحنح شيخ كبير و عدل جلسته وإستقام فيها وهو يفرك شنبه و يعدل لباسه ، ليصمت الجميع و ينصت لما سيقول بإهتمام ، فلهذا إجتمعوا و له أعمالهم تركوا و هو لب الموضوع و ليس الوليمة … 

إفتتح الشيخ الوقور الهادئ الكلام بسم الله و بالصلاة على رسول الله و من تبعه بإحسان إلى يوم أن على الحوض بإذن الله سنلقاه ، و أثنى خيرا على الجمع بالمديح و الشكر و طيب الكلام ، و شكر بزيادة أهل الكرم و الضيافة الكرام ، و أفصح عن سبب هذا الإجتماع ، بأننا مهما حدث فنحن أبناء عمومة و بيننا نسب و أخوّة و أرحام ، ولا يجب أن ننسى كل هذا و تأخذنا الحمية و نخاصم بعضنا ، و يتفرق شملنا و تضعف قوتنا ، مهما حدث ومهما بدر عن أي طرف من الأطراف ، و زاد في التوضيح أن هذه الوجوه الطيبة التي على الخير إجتمعت ، غرضها واحد ، وهو إصلاح ذات البين وإرجاع المياه لمجاريها ، و أن ما يطلب منهم سيتم تنفيذه لأجل إرضاء الجميع وإحقاق الحق و تحقيق العفو و تأصيل الأخوة والنسب ، و أكد أنه يأمل في أن لا يُرد هذا الجمع خائبين وأن أهل الكرم و الجود سيكونوا لطلبهم من الملبين … ولسنا نطلب أكثر من أن تعفوا عن ما بدر من إبننا من خطأ في لحظة غضب و خروج عن طور العقل و التسرع ، و نعدكم بأنه سيصلح خطأه و أنا أعطي لكم مني شخصيا وعداً بأن هذا لن يتكرر ، فما رأيكم إخوتي الحاضرين الكرام أهل الجود و الشهامة و الكرم .

أنهى كلماته ناظرا إلى شيخ الطرف الآخر و من بقربه جالسين ، حتى يسمع رأيهم و ردهم فيما عرض وقدم من عذر وطلب … ونظراته مليئة بأمل القبول حتى تهدأ الأنفس و تصفو و تعود المياه إلى مجاريها … 
تنحنح شيخ من بين الشيوخ المصطفين و شبك يديه و سمى الله و على نبيه أثنى و صلى و سلم … وقال:
أما أنكم أهل الجود و الشهامة و الكرم ، فهذا يشهد به القاصي و الداني ، ولا أحد يمكنه أن يرد لكم طلب وقد حضرتم جميعا و شرفتم مجلسنا و تقاسمتم لقمتنا ، و يكفي ما بيننا من مصاهرة و قرابة قديمة و صلة رحم و دم … فمن نحن من دونكم ، و من أنتم من دوننا ، كلنا نكمل بعضنا و ندعم ، و لسنا غرباء على بعضنا البعض ، و نستحي أن نردكم بوفاض خالي ، بعد أن شرفتم منزلنا بهذه الوجوه الطيبة و القلوب الصافية النقية ، التي تمد الخير و تطرد الشر …
نظر لمن حوله من شيوخ أسرته الذين وكلّوه ليتحدث عنهم نظرة تفحص و إستعلام ، ليستمر في القول …

أما أننا نسامح في حقنا … فإننا نفعل ولا نرضى إلا بالخير بيننا ، ولكننا لنا عتب لا بد أن نذكره ، و عتبنا عتب أخوة و عتب محبة و تقريب … لا عتب غضب و زيادة تجريح وفرقة … 

هز الشيخ الآخر رأسه موافقا واضعا يده على صدره مطئطئا الرأس قابلا بما قاله الشيخ ، و تبعه في ذلك الحضور … فإسترسل الشيخ قائلا … 

عتبنا أن إبنكم كان الأجدر به أن يتريث قبل أن يتخذ قراره و يخطو خطوته الغير مبررة بإلغاء الصداقة بينه و بين إبننا بعد ما قرأ له بعض التعليقات التي لم تعجبه و خالفت رأيه … و أننا نؤكد أن إختلاف الرأي يجب أن يبقى ضمن إطار ذاك الرأي فقط ، ولا ينتقل إلى الأختلاف الشخصي مع قائله ، فأنت اليوم رفضت رأيي و إعترضت عليه ، ستقبل رأيي غدا ، في مسألة أخرى و نتفق فيها ، وهذا ما يجب أن يحدث ، ولا يجب أن ينتقل إختلافنا في الآراء إلى كرهنا لبعضنا و محاربة بعضنا و اللجوء إلى إلغاء الصداقة دون سابق إنذار و يلحقها بالحظر أيضا ؟!… 

ثارت ضجة تمتمات بين الحاضرين لإستغرابهم من أن المسألة وصلت إلى الحظر ، وهم على إعتقاد أن المشكلة كانت فقط أن إبنهم قام بإلغاء صداقة الآخر و لم يصل الأمر للقيام بحظره … فطأطأ الجمع رؤوسهم خجلا من هذا الفعل و كلهم أسف و إعتذار من الشيخ … و بذلك إنتهى الخلاف وقُبل الصلح و وعد أن الحظر سيزال و أنه سيتم إعادة الصداقة بطلب جديد وأن إبنهم سيوافق عليه حالا … و ليس بالضرورة أن يتفق الجميع على رأي واحد في كل المسائل ، و لكن من المهم أن يتفق الجميع أنهم على دين و دمهم واحد …

وقف الجمع شهودا على إرسال طلب صداقة جديد من الهاتف ليوافق عليه الآخر مباشرة في حينه وأعينهم بالدمع تكاد تفيض ، و يرى الجميع أن كل منهم أصبح في قائمة أصدقاء الآخر وألحقها بإعجاب على صورته الرمزية ، زيادة في تأكيد عودة العلاقة لطبيعتها … وسط تهليل و تكبير وإعجابات من الكبير قبل الصغير و فرحة غمرتهم أنه مازال بالإمكان إقامة الصلح بين الأخوة بوجود العقلاء المتفهمين من الطرفين مهما كان عمق المشكلة و خطرها  … 



شكراً
أكمل قراءة الموضوع...

الأحد، 17 يوليو، 2016

نبتة صغيرة ...

By 11:51 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ...




سمِعَت صوت أحدهم من غرفتها يقترب على الأرض كانت أمام المرآة جالسة … أحاطها الإرتباك و الخشية و بسرعة إخفاء ما كانت به تشغل نفسها ، حاولت  … لا تدري من يقترب من الغرفة ولكنها أخفت كل شيء  … وإذا بالباب يتحرك و عنده يقف والدها مطلا برأسه ناظرا إليها مبتسما … 

يدها عندما دخل للتو رجعت من حيث كانت ، بسرعة تخفي ما بين يديها و تضعه تحت الفراش … الإنكار ببراءة مرتسم على وجهها ، إلتقت نظراتهما في لحظة توقف عندها الزمن بالنسبة لها 

أتراه يكتشف ما كانت تخفيه؟ 
يوبخها ،  ينهرها على ما تفعله ؟ هل وقعت في ورطة و لم تكن حذرة ؟
أيتركها و يخرج كأن لم يرى شيئا و يظن أنه شيء خاص بالفتيات ولا يجب أن يراه هو؟ أم أن عمرها يسمح له بأن يدخل و يسألها و يعرف ما الذي كانت تفعله … ولكنها لم تعد طفلة الآن ... 

رغم أن لقاء النظرات لم يدم إلا ثوان معدودة  … إلا أن الأفكار في ذهنها كانت متسارعة تفيض بكل إتجاه … 

إقترب منها مبتسما … جلس إلى جانبها ،  وضع يده على كتفها و هو إليها ينظر… وقال بهدوء وهو يده على خدها يضع …

هذا اللون لا يليق بك يا حبيبتي ، جربي إستعمال الكحل العربي فهو أجمل بكثير من هذه المساحيق الملونة … التي قد تغير مظهرك و تذهب جمالك ولا تظهره … حاولي أن لا تكثري من الألوان الملفتة المبهرة و إستعملي الألوان الأقرب إلى لون بشرتك ، فالزينة تكون أجمل عندما تظهر جمالك لا أن تخفيه خلف أكوام المساحيق … إستعملي منها فقط ما يظهر جمالك وليس ما يدفنك في وعاء دقيق يخفي وجهك و يشوه مظهرك و يجعلك كمسخ قد لا أتعرف عليه عندما أراه و أهجم عليه لأخلص إبنتي منه ، وأعيدها إلى جمالها الطبيعي النظيف … 
إبتسمت بإطمئنان وقالت … ولكنك لا تحب هذه المساحيق؟
نعم حبيبتي ولكنك الآن في البيت و يسعك أن تجربي ما يحلو لك ما لم يدخل في الحرام … و ربما عليك أن تتعلمي جيدا أن تهتمي بنفسك و أن الإهتمام بالنفس و الزينة للمرأة شيء مهم جدا وطبيعي في فطرتها … و لكن أهميته أن يكون لشخص واحد و في بيتك و ليس للخروج أمام الناس جميعا … 

ضحكت ضحكة أوضحت فهمها جيدا لما يقصده … وقالت 
نعم هناك من يتزينون فقط عند الخروج للحفلات و العزائم و الزفاف ، و لكنهم في بيوتهم كأنهم لا يعرفون للزينة طريق أبدا.
هز الأب رأسه موافقا بإبتسامة خفيفة ... و قال 
نعم تماما هذا ما قصدت و هذا بعيد كل البعد عن العقل و عن المنطق ...
فهزت رأسها موافقة و مستغربة في هكذا فعل ... 

ثم أكمل الأب يقول 

أريدك أن تكوني بنفسك دائما مهتمة ، في بيتك كأنك ملكة أو أميرة ، و إهتمامك بنفسك و إنشغالك به لا يجب أن ينسيك الإهتمام بعقلك و فكرك الذي هو الأساس ، فلن نقابل الله بجمال أشكالنا ولكننا سنقابله بقلوبنا و أعمالنا التي تنتج عن ما في هذه القلوب… ولكنني أريدك أن تتعلمي كيف تهتمي بنفسك … هيا أريني كيف تضعي الكحل في عينيك … 

كما تتطاير الفراشة بخفة في يوم ربيع إنتفض صدرها وزاد بهجة وإنطلقت سرورا … و إستبشر وجهها بفرح … أخذت العلبة من حيث أخفتها و أخرجت منها قلم كحل  … أخذت ترسم تفاصيل حدود عينيها … و تريه كيف هي … والأب يخبرها أن تحاول أن تكون موزونة ولا تبالغ و يكون إستعمالها في حدود جمالها ليزداد لا ليفسده …
- قالت هل أستطيع تجربة هذه المساحيق؟ 
- بالطبع مادمتي في البيت إفعلي ما يحلو لك … 
- و سأجرب طلاء الأظافر أيضا ؟
- نعم جربي كل ما يحلو لك … مادمنا قد إتفقنا ... 
- أنظر لدي هذا اللون و هذا اللون ، ما رأيك في هذا ؟ 
وأخذت تحدثه عن الألوان التي تحبها و الرسمات التي ترغب في تجربتها على اظافرها ، وأن هناك طلاء شفاف لتقوية اللون و آخر لتلميعه و غيره لتنظيفه … وأنها ترغب في أن تطيل أظافرها و كذلك ذاك الطلاء الذي يمكن نزعه كالقشرة بعد إستعماله…ليساعدها على الطلاء بنظافة ...

كانت الفرحة لا تكاد تستقر في صدرها و تريدها أن تنتشر في كل مكان … 
سحبها إليه وإنحنى ليحتضنها ويقبلها … وهو يقول …

حفظك الله يا إبنتي و رعاك و عرّفك الطريق إليه دائما و أرضاك و رضي عنك … سأتركك الآن لتهتمي بنفسك و تفعلي ما تريديه … ولكن تذكري دائما … أنك لست مطالبة بتقديم الأعذار لي أنا … بل أنت مطالبة بتقديم الإجابات المقنعة لله عندما يسألك عن أي شيء فعلتيه … 

لم تلتفت له عندما خرج وقد إقتربت من المرآة و هي تمسك خدها بيد و بيد الأخرى تحاول رسم الكحل حول عينيها … 


في غرفة الجلوس كان الآب جريدة البارحة يقرأ … عندما دخلت الإبنة و قد بدا وجهها مشرقا منيرا بالفرحة و قد تزين بهلال الكحل حول عينيها وهي تقف أمامه بدلال وبراءة تنتظر رأيه … 

أبدى إعجابه الفائق بها وسروره بفرحتها أنها عرفت أنه لا يمانع أن تقوم بما تحب ولا يخرجها من طور الطاعة لله قبل كل شيء … 

بعض أيام مرت و قد إعتادت أن لا تخفي إهتمامها هذا داخل البيت … وكانت كل مرة تجرب أسلوبا مختلفا في وضع الكحل و طلاء الأظافر … 
سمعته يناديها طالبا منها تجهيز نفسها للخروج معه 
- هيا يا إبنتي جهزي نفسك سنخرج بعد قليل 
- إلى أين ؟
- أحتاج لبعض الأغراض و أريدك أن تكوني معي … 
- فرحت الفتاة بفكرة الخروج و التسوق مع والدها…

إنتهى بهم الأمر بين محال بيع الزينة عن أنسب لون طلاء أظافر يعجبها و يليق بها لتستعمله يبحثون… ولم يكن للأب حاجة يشتريها إلا أنه أراد مرافقة إبنته لشراء ما تفضله من ألوان الطلاء … وكم كانت فرحتها بذلك كبيرة و زادت ثقتها بنفسها و مشاركتها لأبيها في كل ما تفكر فيه و تتقاسم معه تصاميم تجربتها على أظافرها كلما كان الوقت مناسبا لذلك ، دون أن يعترض الأمر صلاتها أو يتعدى حدود ما أمره به ربها …

إرتمت بقوة على صدر أبيها و إحتضنته … لتمتزج دقات قلبين أحدهما من الآخر جزء بفرحه زاد فرحا … و قد غرس فيه نبتة الثقة بالوضوح و الخير و محاسبة النفس خوفا من الله ، قبل الخوف من عبده ... 



شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

السبت، 9 يوليو، 2016

الملكية الفكرية ...

By 8:03 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





سئمت من كثرة سرقة أفكاري ، أناس لا يستحون ولا يملكون ذرة من إحترام لمجهودات الآخرين ، كلما كتبت شيئا أو صنعت مقطعا أو نشرت تدوينة أو حتى غردت تغريدة و جدت من يأخذ العمل الذي فيه بذلت جهدا و خرجت بأفكاره و تميزت فيه لينسبه لنفسه أو يستعمله و ينشره دون أن ينسبه لأحد حتى لصاحبه ، ألا يستحي هؤلاء الناس من هذا الفعل الشائن الذي يحرم الآخرين حقوقهم و يسلبهم مجهوداتهم؟ 
بالتأكيد هذا سبب من أسباب عدم قدرة المبادرين بالأعمال للإستمرار فيما يخرجون به من أفكار جديدة و يحرّم أحدنا على نفسه الإبداع لعدم وجود ما يحمي الحقوق ، وأفكارنا غالبا لا تلقى رواجا بين الناس ولا يدعمها أحد لأن هناك من يسرق المجهودات و يريد إستعمالها بالمجان ماإستطاع … 

هناك في العالم المتحضر الواعي الذي فهم معنى دعم النشاطات الصغيرة و دعم أفكار المبتكرين ، يتركون الشركات الكبيرة ليدعموا صغار المفكرين و يشترون كتبهم و يتعاملون بمنتوجاتهم الوليدة و يحافظون على حقوقهم بدفع الرسوم المستحقة لإستعمال المنتج ، حتى يتطور و يكبر و يصبح شركة كبيرة توفر المجال الواسع لتوظيف الناس وفتح أبواب الرزق لهم ، ناهيك عن تطور خدماتها التي سيستفيد منها الجميع ،  وحتى أنه هناك مواقع باتت تتخصص في توفير منصة لكي يستطيع أصحاب الأفكار المميزة أن يطلقوا مشاريعهم بدعم من الناس عامة بمبالغ صغيرة جدا ، بمقابل بسيط و أحيانا بدون مقابل أبدا ، لماذا ؟ لأن هناك من يحب رؤية نجاح الآخرين و تفوقهم خدمة لمصلحة عامة … 
أما نحن … أه منا نحن … ومن جهلنا و كثرة تخلفنا … متى نتطور و نرتقي؟ 
متى ...

إنحنى على كرسيه متتائبا زائدا في إتساع صدره و فرد أطرافه لتتحرك جوامد الهرمونات في مفاصله … شبك بين يديه خلف رأسه وأخذ يحدق في شاشته ،  لا يرى منها إلا ضبابة إنارتها دون تركيز في محتواها … حتى لفت الإنتباه رسالة ظهرت أسفل يمين الشاشة … فركز فيها نظره … وهي رسالة تقول …
نسختك من نظام التشغيل غير مرخصة ، إضعط هنا للحصول على ترخيص و تفعيلها من خلال الموقع … 

ضغط زر موافق ، لتفتح له نافذة تطلب إدخال الرقم التسلسلي الذي يمكنك الحصول عليه عند شراء المنتج … ولكنه إتجه إلى المتصفح و كتب في سطر البحث … كيف أحصل على رقم تفعيل لنظام التشغيل وندوز مجانا … ضغط البحث ليجد آلاف النتائج … إختار أولها ليجد رقم تفعيل لنظام التشغيل و التعليق عليه يقول … رقم تفعيل يعمل مائة بالمائة ، فقط تأكد أن تفعله و الجهاز غير موصول بالإنترنت … 

إتبع الخطوات المعروضة في الشرح ، حتى ظهرت له رسالة تقول … 
شكرا لإستعمالك منتجنا ودعمك لنا ، تمت عملية التسجيل بنجاح … 
أغلق النافذة … و عاد إلى المستند الذي كان يكتب فيه مقالته الجديدة … و إستمر في الكتابة بعد أن أعاد قراءة آخر أسطر فيها … 

لكي لا أطيل عليكم أكثر ، سؤالي هو أننا متى نعطي الحقوق لأهلها؟ ومتى ندعم بعضنا بعضا و نتوقف عن سرقة مجهودات الآخرين؟ 
أرجو حقا أن أرى الناس جميعا يدعمون المبادرات البسيطة للشباب المحتاج لبعض المال لينهض على قدميه و يقدم خدمات أفضل  ، لمن؟ للناس أنفسهم ، و هي ثقافة تتخطى ثقافة الأكل و الشرب ، و تتخطى ثقافة الزواج و هدايا العرس … و قد يكون الشباب فقط محتاج منك إلى أن تهتم به و تشجعه بإستعمال منتجاته و الحديث عنها بخير … 
أرجو أن أعيش هذا الزمن الذي أرى فيه كل ذلك واقعا حقيقة في مجتمعي … و أن أحصل على نتاج محصولي وما بذلت فيه من جهد … و أن تكون المكافأة مجزية حتى أتشجع أكثر لإنتاج أكثر …

أعاد النظر في الأسطر الأولى ، حاول مراجعتها بسرعة و تصحيح ما سها عنه من أخطاء … أنهى التأكد من صحته و ضغط زر حفظ … لتظهر له شاشة إختيار المسار و إسم الملف … قام بتحديدها ومن ثم ضغط زر حفظ من جديد …
لتأتيه رسالة تقول … 
هذه النسخة مقرصنة ولن تتمكن من حفظ الملف حتى تقوم بشراءها بطريقة شرعية قم بالتواصل معنا على البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف … 



شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

الاثنين، 20 يونيو، 2016

تعاون ومشاركة ...

By 12:54 ص
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




كيف يمكن أن أحرك هذا الحِمل من مكانه …
وقف ويديه على وسطه ينظر لهذا الحِمل الثقيل الذي حار كيف سينقله لمكانه ، يتأمل الحجم و الوزن و يفكر في طريقة تسهل و تنهي العمل بسرعة … حتى قرر أن يجد من يعينه على ذلك… فمهما كان ، بالتعاون لا يمكن لأي حمل أن يكون ثقيلا … 

- هل يمكنك أن تساعدني في رفع هذا الحِمل و نقله بعيدا عن هنا؟ … 
- حسنا بالتأكيد لما لا 
- جيد … يمكنك أن ترفع أنت من هذه الجهة و أنا سأرفع من الجهة الأخرى
- حسنا …
سار بالإتجاه الذي أشار إليه و من ثم عاد و قال …
- أنا أريد أن أرفع من هذه الجهة…
نظر إليه و لم يطل التفكير وقال … 
- بالتأكيد ، إرفع أنت من هذه الجهة و سأذهب أنا إلى الجهة الأخرى ، و سأخبرك عندما نكون جاهزين للرفع معا.
أخذ الرجل المكان و إنتقل هو إلى الجهة الآخرى … وما أن وصل حتى وجده خلفه ، فسأله بإستغراب 
- ماذا هناك؟
- لا شيء ولكن أردت أن أرفع من الجهة التي ترفع منها أنت … 
- تقصد أنك تريد أن ترفع من هذه الجهة بدلا من تلك؟
- لا … أريد أن أفعل تماما ما تفعله أنت … 
- أنا سأرفع من جهتي وأنت ترفع من جهتك … 
- لماذا أنا أرفع من جهة غير التي ترفع منها أنت؟ ما السر في ذلك ؟ لماذا لا أرفع أنا من الجهة التي سترفع منها أنت … 
- أستطيع أن أعود أنا للجهة ألأخرى إن أردت أن ترفع من هنا … 
- لا أريد أن أرفع من هنا أو هناك ، أنا أريد أن أرفع من حيث سترفع أنت لا أكثر ، فأنا وأنت متساويان لا فرق بيننا أليس كذلك ؟ 
- لا فرق بيننا ولكن لنتعاون يجب أن يعمل كل من جهته فيما كلف به ، ولا يعني التعاون ، أن أكون أنا وأنت في نفس الجهة ونفعل ذات الشيء من ذات المكان!
- لا أدري أنا لن أفعل إلا ما ستفعله أنت 
- ولكن بهذه الطريقة لن نستطيع نقل هذا الحمل و السير به لمكانه … وستضيع أوقاتنا في هذا الحوار
- أنت تتحجج ولا تريدني أن أفعل ما تفعله ، هذا ظلم و هذه ليست مشاركة هذا إجحاف في حقي … أنت دائما هكذا … 
- ولكن هذا لن يسمح لنا بالعمل بشكل صحيح ولن ننجز المهمة ، فكل منا عليه أن يرفع من جهة ليصبح الحمل أخف لكلينا ، و يمكننا عندها أن نسميه تعاون ، أما أن نقوم نحن الإثنان بذات الشيء ، فهذا يعد تخريب وتعطيل و ليس تعاون ولا مشاركة … ولن يوصلنا إلى أي مكان …
- لا … فعندما أقف أنا هناك وأنت هنا فهذا سيعد ظلما لي ، ولن أرضى به … 
- حسنا … إذا … أشكرك على محاولتك لمساعدتي … لم أعد أحتاجها الآن ، شكرا لك على وقتك و على إقتراحاتك…
- ما الذي تعنيه؟ تتخلى عن مساعدتي بعد كل هذا الجهد الذي بذلته معك؟ أنت ناكر للجميل … أنت إنسان لا يستحق أن نتعاون معه … أنت ومن مثلك يجب أن لا يكون لهم مكان بيننا … سأشكوك و أقاضيك و آخذ حقوقي منك … 

إلتفت عنه و عاد ليقف و يفكر من جديد في كيف يمكنه أن ينقل هذا الحِمل إلى مكانه … وهو يحاول مراجعة مفهومه للتعاون والمشاركة … 



شكراً… 
أكمل قراءة الموضوع...

الجمعة، 17 يونيو، 2016

الإختلاف ...

By 9:47 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





مد يده ليجد أقرب جدار له ليسنده ، حتى لا يوقعه ما أصابه من دوار أرضا … غشاوة غطت العين و بها الرؤيا إنعدمت في دامس ظلام لم يكن فيه شيء من نور … 
يا إلهي ما الذي يجري ماذا يحدث لي … أتراني أهملت أخذ جرعة دوائي … لا لم أهمل ، متأكد أنني أخذتها في حينها … 

بقي هناك للحظات غاب فيها عن ما حوله ، حتى نسي أين هو و أين يقف … إنطفأ كل شيء من حوله بالنسبة له كل شيء لا وجود له … لا ضجيج في الشوارع ولا أصوات المارة و لا إحساس حتى بالأرض تحت قدميه ولا بالجدار متكئا عليه … 

ولا شعور أكثر من أنه لم يعد موجودا أبدا كمن غاب عن الوعي تماما ، رغم أنه مازال واقفا … ليشعر رويدا رويدا بعودة أصوات الشارع إلى سمعه و ينتبه أنه يقف في ظلام نفسه ، ففتح عينيه ليعود إلى النهار من حوله … 

هز رأسه محاولا إرجاع النشاط لنفسه و التفكير في الإحساس الذي راوده للحظات … أستوى واقفا نفض يديه ببعضها و نظر أمامه ، ليجد أنه يقف أمام زجاج عرض أحد المحلات التي تبيع الملابس … فلفت إنتباهه قميص معلق للعرض … أخذ يتأمله و يدقق فيه و يتفحصه … ولكن كان هناك شيء غريب في هذا القميص … تحرك يسارا لينظر إليه من زاوية مختلفة و يدقق أكثر ، فلربما يكون نظره هو الذي يغشه أو أن يكون التنسيق هو الذي أخفى الكم الأيسر … ولكن لم يكن شيء من ذلك … غريب هذا القميص … من سيشتري قميص بكم واحد ولا فتحة لتدخل منها يدك الأخرى ؟ 
و زاد إستغرابه أكثر مع إلتفاته ليرى بنطلونا معلق على جانب زجاج العرض … وقد كان بنطلون أيضا بساق واحدة فقط ولم يكن له ساق أخرى … 
تحسس نفسه و لمس أطرافه ليتأكد أن كل طرف في مكانه الطبيعي … وعاد و نظر إلى العرض ليجد أن كل الملابس المعروضة هناك كانت بكم واحد ولا وجود لفتحة الكم الثاني ، و كل البنطلونات ذات ساق واحدة ولا وجود لثانية أو حتى لفتحة ثانية ، حتى أن الجوارب كانت تعرض واحدة واحدة … ربما هي حملة دعائية يقوم بها هذا المحل!

بقي محدقا في الزجاج محاولا خلق ظل يمكنه من رؤية ما بالداخل أو من بالداخل فقرب رأسه أكثر و غطى بكلتا يديه جانب وجهه ، ولكن كان الظلام يغلب على الصورة و لم يستطع أن يميز أحدا أو يميز شيئا مما بالداخل … 
خفض يديه وأبعد رأسه عن الزجاج وهو ينظر إلى إنعكاسه ، لينتبه أن هناك إنعكاسات أخرى واقفة حوله … خفق لها قلبه … و إبتلع ريقه بصعوبة محاولا أن لا يظهر إرتباكه وهو يحدق في الظلال التي أحاطت به أشباحها في زجاج المحل … 
لم يجروء على الإلتفات أو النطق بشيء وإستمر في التظاهر بعدم الإنتباه و الإستمرار في مشاهدة المعروضات … حتى قفز فزعا بوضع أحدهم يده عليه متحسسا يده اليسرى … فإلتفت ليجد وجوها حوله اجتمعت تنظر إليه نظرة إستغراب و تعجب متسائلة بين بعضها البعض و متمتمة بكلمات حيرة و إستغراب و شفقة … وبعضهم قريب من بعض …
دارت الأفكار في ذهنه متسارعة ما الذي يحدث … ماذا جرى لي … أين أنا … ما هذا المكان … لما الأعين تحدق بي هكذا؟
حتى قاطعه أحدهم بالسؤال …خيرا يا أخي هل تحتاج إلى مساعدة ؟ 
إلتفت إليه قائلا 
لا أبدا لا أحتاج أي مساعدة لما قد أحتاج مساعدة من أنتم؟ 
نحن من رأى حالك و وقف يعرض المساعدة…
أنا لا أحتاج إلى مساعدة … 
بلى يبدو أنك تحتاج … 
قالها وهو يشير إلى ساقه و يده …
فتحسس ساقه و يده و كانتا كما يعرفهما دائما … 
فقال بكلمات متسارعة … ما بال يدي و ساقي … أنا بخير لا أشكو من شيء أبدا … إليك عني … 

فربت الرجل على كتفه و قال ، لا تخف يا بني نحن نقدر ما أنت فيه و لن نتركك تعاني لوحدك … لا تخف … نحن هنا لنساعدك ، نتفهم شعورك جيدا … 

أزال يد الرجل من على كتفه وهو يقول ، أنا لست بحاجة لمساعدة إبتعدوا عني … إبتعدوا عني … 

أخذ يرددها وهو يبتعد عن الإزدحام مسرع الخطى دون أن يلتفت … حتى سمع أحدهم يناديه قائلا … محفظتك يا أخي محفظتك … 
فتحسس جيبه و كانت محفظته حقا قد إختفت ، إلتفت ليتأكد من قوله ... فتجمد في مكانه مشدوها ناظرا للجمع الذي كان حوله … و فهم الآن ما يعنيه الرجل أنه يحتاج إلى مساعدة و إلى علاج … 

فهم أنه كان عن الجميع مختلفا … فقد كان الجميع بساق و يد واحدة … و هو كان عنهم مختلف … فلم يكن بالنسبة لهم طبيعيا ... وكان بحاجة لتعاطفهم معه ... 



شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

السبت، 11 يونيو، 2016

إتخاذ القرار ...

By 10:12 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




تذكري جيدا ، يجب أن تتصرفي بلطف و هدوء و لا تكثري من الحركة ، حاولي الجلوس في مكانك كأميرة ، و الأهم لا تظهري أمام المضيفين وكأنك جائعة ولم تري حلويات و مرطبات أو طعام من قبل … لا تطلبي المزيد وإكتفي بما يقدم لك ، لا نريد تكرار ما حدث في المرات السابقة … 
قالتها وهي تنظر إليها مؤكدة لتعلم أنها حقا فهمت وأنها لن تكرر ما حدث في زيارتهم الأولى عند مضيف آخر …
حاضر يا أمي ، علمت فهمت ، أبدا لن أكرر ما فعلت … 
خفضت صوتها و رددت تحدث نفسها …
عندها كنت صغيرة لا أفهم شيئا ولست أحتاج للتذكير بذلك كل مرة … 

جلس الجميع في غرفة الضيوف الفسيحة ، مرتبة مليئة بالتحف و الأثاث الفاخر وكل ما يبهج النظر … حسب ظن من بكل ذلك جهزها … 

أتت آنسة وبيدها طبق مليئ بمغلفات السكاكر و الشكلاتة وبدأت في الضيافة... 
جالسة في آخر كرسي و عينها تتبع الطبق بمروره على كل من قبلها و هي تحاول دون لفت إنتباه أحد ، التركيز على محتوياته لتعرف ما ستختار و أي القطع ستأخذ وتحاول أيضا التركيز فيما إختاره الآخرين وهل يناسبها أم لا … و تفكر أيضا في تنبيهات والدتها المتكررة أن لا تتمادى وتبالغ في أخذ ما تريد كما تفعل في بيتها ، لأنهم ضيوف ولا يصح أن يبدي الإنسان نهمه وطمعه في شيء عندما يكون ضيفا على أحد ، خاصة أول مرة ،  لكي لا يزعجه … ولا يظر بمظهر المحروم من النعمة … 
وها هو الطبق يوضع أمامها بإبتسامة ممن تحمله … وهي على دراية بما تومئ به الأم لإبنتها … 
فأصابتها الحيرة وخافت أن تختار مالا يعجبها أو يكون مرا ، لتضيع فرصتها في الإستمتاع و يكون إختيارها سيئا ، ولا مجال لمحاولة أخرى يعوض بها ما قد يفسد من خطأ في الإختيار الأول…

كيف أتصرف… أتراها تلك اللفائف الذهبية الطويلة تكون ألذ!؟ أم تلك المكعبات الخضراء اللامعة تحتوي على طعم أفضل!؟
أهي البنفسجية الغامقة التي تستدير على بعضها أم ذاك القرص الذهبي!؟
آه سآخذ هذه ... لا لا تلك قد تكون ألذ ...
تحوم يدها على الطبق وعينها في حيرة بين الألوان تدور ... ولا تدري ما تختار ... 
حتى قطع صوت والدتها عالمها وأخرجها منه ... هيا يا حبيبتي أسرعي ... ليس من اللائق أن تطيلي في الإختيار وتتعبي الأنسة … هيا إختاري أي قطعة و إنتهى …

ولكنها لم تكن تريد أن يقع إختيارها على قطعة عشوائية ، تريد أن تركز وتدقق في أيها سيكون الأفضل بالنسبة لها .. 
حتى وإن كان هذا تعطيلا للآخرين ... إتسعت عينها فجاة وفكرت 
ماذا لو لم يبقى لي وقت للإختيار؟ ماذا لو أصاب الملل الأنسة المضيفة التي تقف أمامي ممسكة الطبق !؟
ماذا لو أنها تركتني وإنصرفت ، دون أن أحصل على قطعة منها؟
أفقد فرصة الإختيار بسبب ترددي وعدم حزمي ... ؟؟
إستمر تفكيرها هذا يلاحق بعضه بالإفتراضات والخيالات ... وما كانت لتنتبه إلا أن رأت صاحبة الطبق تنسحب من أمامها واضعة الطبق على المنضدة أمامهم … بعيدا عنها ... وعينها تتبعه وهي تمني نفسها… 
يا ليتني اخترت تلك القطعة الذهبية المستطيلة ...
فكرت في أن تنهض وتأخذه بنفسها ولكن…
إلتقت عينها بأمها ، فرات فيها أمراً بالتراجع عن ماكانت عليه عازمة ...
بقيت هناك جالسة تتحسر طوال الجلسة أنها لم تحزم أمرها بسرعة وتقرر وتختار ما تريد من كل تلك الإختيارات التي كانت في متناول يدها ...

تمنت لو أنهم عرضوا نوعا واحدا فقط من الحلوى ... تمنت لو أنها لم تتعرض لهذا الإختبار ... تمنت لو أنها تعلمت كيف تختار قبل أن يحين الوقت ... ولم تبطئ و تؤجل الإحتيار ...
تمنت أشياء كثيرة… ولكن الوقت لم يعد في صفها لتعيده للحظة الإختيار من جديد 

وها هم يخرجون من البيت بنهاية الزيارة … وقد نسي الجميع أمر الحلوى وأخذهم الحديث… إلا هي ... بقي كله في ذهنها معلقا … 



شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

الأحد، 22 مايو، 2016

تواصل إجتماعي ...

By 10:03 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




خرج من بيته فاردا صدره بتحدي صاخب وهو يقول … 
إن كان فيكم رجل ، ليقل لي أنني مخطئ و ليس لي حق فيما أقول 
فصاحت زوجته قائلة … 
توقف إلى أين أنت ذاهب تطرق أسماع الجيران ، و تزعج سكونهم !؟
إلتفت إليها بشرر يتطاير من عينيه وهو يقبض بيديه في الهواء …
سأرى كم من الجيران أعجبه كلامي و كم منهم سيرد عليه ، و كم منهم سمعه ولم يبالي به أبدا ، وإلا فلما هو جار يسكن في حينا … ليذهب و يبحث عن مكان آخر ليعيش فيه ، ولا حاجة لنا بهذه الجيرة الشكلية التي لم نملك منها إلا إزدحام شوارع حينا … 
ما حاجتنا ليقال أن حينا فيه سبعون بيتا ولا نرى ولا نتحدث إلا لخمسة بيوت فقط يتفاعلون معنا ، أهي جيرة بالإسم فقط ؟ منظر فقط؟
ما حاجتنا بهذه الجيرة ليذهب كل من لا يتفاعل معنا ولا حتى يحيينا صباحا ولا يرد على ما نقول ويناقشنا، و يجد لنفسه بيتا في مكان خالي ، ولا حرج لي في هذا الحديث أبدا … ولست أستحي … 

سأصفي الجيران واحدا واحدا و لن أترك منهم إلا من كان حقا جار و يؤدي حق الجيرة ، أما من كان منكفيا على نفسه يراقب ما يحدث في الشارع فقط و يسمع ما نقول ولا يتفاعل معنا ولا يرد ويشاركنا ، فهذا سيكون منبوذا و سنقوم بحضره من الشارع … 

ولكن ليس من حقك أن تجبر الناس على أن يتفاعلوا معك 
بل من حقي 
لا ليس من حقك ، الحي حيهم أيضا و المكان مكانهم ، و لكل الحق في فعل ما يريد بحياته 
إذن لما يسكن بجوارنا؟ و يتابع أخبارنا؟ 
هم أحرار فيما يفعلون ، ما شأننا نحن ؟ هل نسألهم عن ما يفعلون 
نعم يهمني ما يفعله الجميع بالتأكيد 
إذا أنت تحشر أنفك في حياتهم ولا يحق لك ذلك …
أصمتي يا إمرأة ، أنت لا تعرفي عن الحياة الإجتماعية شيئا … أنا أفهم جيدا ما أفعله …
بالتأكيد أنت تفهم أكثر مني وتعي ما تقول و لك خبرة أطول ، ولكن لنؤجل الطرق على بيوت الجيران وندعهم و شأنهم الآن ، لندخل و نتسامر معا فيما يهمنا نحن فقط ما رأيك؟
إرتخت قبضته ، و أنكمش صدره و إرتخت عضلات وجهه … و قال مبتسما يحرك حاجبيه… 
هل تجهزي لنا الشاي و المرطبات؟
أمسكت بيده و سحبته إلى الداخل و هي تقول … 
المرطبات و الحلويات و ساحكي لك حكاية ، أتدري ما حدث بين أم سعيد و جارتنا أم الخير؟
لا … ماذا جرى ماذا هناك أخبريني  … 
تعال إجلس لإخبرك ما فعلت ، تعال … 

قلب الصفحة و إختار خصوصية التعليقات لكي لا تعرض على العامة ولا يراها إلا هو و هي فقط و أخذ يتبادل التعليقات بينه وبين زوجته و كل منهما يضغط زر الإعجاب على ما يقوله الآخر ، و يرد عليه و يتبادل الإثنان الملصقات المضحكة المعبرة عن مشاعر كل منهما في تلك اللحظة … حتى أخذهما النعاس و سقط الهاتف من كل منهما ليغلبه نوم عميق … 


شكراً…
أكمل قراءة الموضوع...

السبت، 30 أبريل، 2016

اللقاء ...

By 10:24 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 



طرابلس … هدوء الثلث الآخير من الليل إحتل وسط المدينة …  هدأت الساحة ذات الأرضية الخضراء و الأضواء بها تحيط تحيل ليلها نهار … إنقطعت أصوات العربات و محركاتها ، سكنت الأنفاس في بيوتها ، حط الطير في عشه … نامت العيون الساهرة في عرباتها … سكن الهدوء أيضا  … 
في تلك الليلة الصيفية الدافئة …  كان سراب تبخر الحرارة يبدو كثيفا من الأرض منطلق …  عم الصمت و ركدت الريح وكل من يتنفس …
هدوء تام … 

عين في تغطيها الظلال خلف إحدى النخلات عند الإستراحة من جهة الفندق الكبير شمال شرق الميدان كانت تراقب … وتتفحص … لتأكيد أن لا أحد يراها … نظرت إلى الأعلى على يمينها وهي تنظر جهة مدخل السراي الحمراء … عقدت السبابة والإبهام وبهما شدت لسانها ونفخت فيه لتصدر صوت صافرة خفيفة بالكاد سمع صداها …
إلتفتت إلى اليسار أقصى الساحة عند النافورة المائية و أطلقت صافرة أخرى … إخترقت ذبذباتها أبخرة حرارة الساحة لتصل أصحابها … 
تراجعت العين خجلة متبعة الظلال ودخلت خلف الشجيرات الكثيفة بين الشوارع … وضعت يدها حول رقبة حيوان آلف كل منهما الآخر و إحتظنته … وإلى جانبه جلست تنظر إليه بهدوء يقف… وأخذت تنتظر … 

عند السراي … صوت وقع سوط يضرب الهواء و صهيل فرس يضرب بحوافره أرضية رخامية يأتي من علو … تهب معه رياح تثير بعض غمامة ترتفع مع المسلة المقابلة لمدخل السراي الحمراء وتختفي … و ينطلق ظل نحو الشجيرات حيث أتي الصوت …

تشقق في الصخر و تصدع يعقبه صهيل فرس و خفقان أجنحة و حمحمة … تحركت معها النافورة و إهتزت ليتناثر بعض الماء على أرضية الميدان و يعقبه أثر إتجاه ظل صاحبه نحو الصوت عند الظلال بين الشجيرات … 

دخل الفارس بفرسه بين الشجيرات ليجد فتاة جالسة بجانب حيوانها وهي تحتضنه … لم يكن يرى بوضوح ولكنه عندما تقدم أكثر … قال بدهشة …
- غزالة؟ أنت بخير؟ ماذا تفعلين هنا؟
لتأتيه إبتسامة و ضحكة ناعمة تقول 
- أنا لست غزالة … أنا الحسناء … و هذه غزالة أم أنك كبقية الناس تختصر إسمي في الغزالة 
قال الفارس في خجل حياء مليء بالمروءة … 
- أنتِ تعرفي أنه لولا ستر الظلام لك لما إستطعت النظر إليك مباشرة وما ساعدني على معرفتك هي الغزالة 
- لا عليك ، و صدقني ليس بيدي أن أرتدي شيئا أو لا ، فلم يصنعني والدي إلا على هذه الهيئة … 

إنتبه الإثنان لخشخة الشجيرات من خلفهم … لتنحسر على فرس البحر الطائر يقترب منهم يضبح ويصهل ويخفق جناحيه … فرحا 
- لا أصدق غزالة و الحسناء … 
إلتفتت غزالة إلى الفارس وقالت 
- أرأيت هذا هو إسمي … الكل يعرفني بالحسناء وليس غزالة
فرد الفارس مباشرة 
- ربما لأنكما أقدم مني في المدينة و يعرف بعضكم بعضا أكثر مني … ولكن الكل يناديك غزالة هنا
فقال الفرس … 
- أين كنتِ ولما لم تطمئنينا عنك ظننا أنك أختطفتي؟ إنشغلنا عليك لم نرك منذ مدة … 

طأطأت الحسناء رأسها في أسف و حزن وهي تحرك يدها على الغزالة و تربت على رقبتها وقالت … 

- لولا تعلقي بهذه الأرض وحبي لها و قضائي فيها أكثر من سبعين سنة لرجعت مع البارجة البريطانية التي أجلت رعاياها عند إندلاع حرب المطار و طلبت منهم أن ينزلوني في إيطاليا حيث دفن أبي هناك … ولكني فضلت الإختباء و التواري عن الأنظار حتى أرتاح وأهدأ وأبتعد عن كل هذه الفوضى  
- وما الذي أتى بك إلى هنا الآن ، ألا تخشين أن يراك أحد؟ قال الفرس 

- لست أخشى أحدا فليس بقمدور أحد أن يعرف أين أنا أو أن يراني ، فمعرفتي بالناس هنا قديمة وأعرف طباعهم جيدا 
- كل ما في الأمر أننا نريدك أن تكوني بخير … أردف الفارس 
أعاد الفرس سؤاله … 
ولكن مازلت أريد معرفة ما الذي أخرجك من مخبأك؟ 
- أردت الحديث معكم لمعرفة ما رأيكم فيما يمكننا فعله لإصلاح ما أفسده هؤلاء القوم!
قال الفارس وهو يشد لجام حصانه الذي أخذ يضرب الأرض بحافره 
- لا فائدة لا تتعبي نفسك لن تستطيعي فعل شيء ، ما لم يكن هناك من يستمع 
- إلا إذا فزت في أحد المباريات يا فارس ، عندها ستمتلئ الساحة و تضج بالفرحة … قال فرس البحر 
هز فارس رأسه متأسفا … 
- لا تذكرني ، ليتني أملك القدرة على ترك مكاني و الهرب ، فرؤية تلك الجموع كلما أقبل إحتفال وتفرقها كلما إحتاج العمل … بات يزعجني حقا
- ربما تستطيع الهرب ولكنك تفضل ما إعتدت عليه … قالت غزالة 
- وكيف أقنعتي الغزال أن يتبعك وسيطرتي عليه ولا يفتضح أمرك؟
- الغزال جزء مني ولا ننفصل عن بعضنا أبدا 
- حسنا ما العمل الآن ، قال فرس البحر خافقا بجناحيه  
- ما رأي إخوتك ؟
- رأيهم من رأيي فنحن الأربعة نفكر معا نعيش معا نفعل كل شيء كأننا واحد ، وهم الآن يسمعونك بسمعي و يرونك برؤيتي وما أقول هو ما يقولون … 
إلتفت إليه الفارس رافعا سوطه ملوحا به … 
- ليتنا نستطيع جعل أهل البلد يتصرفون مثلكم يا فرس البحر ، أن يجتمعوا على ما يصلح بهم …
- لا تأثير لنا عليهم ومهما فعلنا فإننا لن نستطيع إقناعهم حتى للكف عن الإجتماع هنا في الساحة كلما أرادوا الإحتجاج أو الفرح و الرقص و الغناء و صم آذاننا بالمفرقعات و الهتافات المتعالية وضرب المنصات و التوعد …
- أنا شبعت من الوعود وأردت العمل وليتني أستطيع لكنت فعلت … ولكنهم لم يشبعوا ولم يعملوا…
وقفت غزالة وإقتربت منهم ، ليخفي الفارس وجهه مستحيا … قال 
- غزالة إبقي حيث أنت أرجوك … 
ضحك فرس النهر وهو يخفق بجناحيه و يهز ذيله يضرب به الأرض ، و تراجعت غزالة لتعود إلى الظل لإخفاء جسدها العاري في الظلمة حيث كان  … 
- إسمها حسناء وليست غزالة ، ما بك يا فارس … 
قالها فرس البحر مقتربا من الفارس غامزا فرسه الذي أخفى وجهه إستحياء
- لن تفهم أنت معنى الحشمة والحياء لأنك حصان ، ولو لم تكن حصان لفهمت 
- هذا ما تظنه أنت فقط … 
قاطعتهم حسناء بصوت خافت حزين متألم … 
- أشعر بالحزن لما حدث ويحدث ، لم أكن أتوقع أن كل أولائك الذين رأيتهم يحومون حولي في أفراحهم و مسراتهم وبهجتهم يملأون السيارات والمدينة بهجة ، يمكن أن ينسوا أنفسهم و تغريهم الدنيا ويتكاسلوا عن العمل و حب بعضهم البعض و تجرهم أطماعهم ويستسهلوا قتل النفس …
- لا عليك يا غزالة ، لا عليك فهذا ليس بالأمر الجديد على بني البشر قال فرس البحر 
- ولكننا أهل جود و كرم و نقف مع الحق و ننصر المظلوم و نوقف الظالم عند حده ولا نرضى المهانة ولا نرضى الذل … 
- هذا ما أنت عليه يا فارس … أصيل إبن أصيل 
- أتعرف يا فارس ، أتعرف يا فرس! 
إلتفت الإثنان إليها في صمت فقالت 
- ليت سبتيموس كان معنا …
- صحيح لو كان هنا لأعطانا رأيا سديدا فهو خبير في مسائل الحكم و الحرب … قال فرس البحر
فتحرك فارس بفرسه و توسطهما وهو يحاول أن لا يقع نظره على غزالة … 
- ولكن الواقع أن ما يحدث لا يحتاج إلى أكثر من بعض العقل و الشعور بالمسئولية تجاه النفس والبيئة التي تحتويك ، يحتاج إلى مروءة رجال والكف عن السفاهة و لجم الطمع وتوحيد الهدف وتأجيل الخلاف … 
- هذا الكلام لا يفهمه البشر يا فارس 
- بل يفهمونه و يعونه جيدا ، ولكن أعماهم الطمع و جرتهم العاطفة 
- لهذا قلت لك أنهم لن يفهموه ، وليتهم فقط يجتمعوا كما إجتمعنا نحن الجماد ... 

رضي فارس بما قاله فرس البحر على مضض و أراد أن يكمل كلامه لولا أن سمع صوت محرك سيارة يقترب من أقصى شارع البلدية … مما دعاهم جميعا للإنطلاق إلى أماكنهم والإشارات بينهم تؤكد على أن يحافظ كل منهم على سلامة نفسه … 
عاد كل منهم إلى مكانه … و عادت غزالة للإختفاء … و كل منهم كان يحمل في قلبه رجاء أن تصل أمانيهم لأهل هذا البلد بأن يتذكروا أنها أوسع من أن تضيق بهم جميعا وأن ما فيها من خير لا يمكن أن يثمر إلا بإجتماع كلمتهم و تمسكهم بما بينهم من قواسم مشتركة … أشياء يحتاجها الجميع و يصر عليها … وبالإمكان تحقيقها واقعا ليس فقط حلم … 

شكراً…


أكمل قراءة الموضوع...