بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الاثنين، 25 يناير، 2016

اللحظة ...

By 8:41 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





مربعات متناسقة الترتيب ، تضع شكل حذاء على الأرض يُرسم … بعضها عميق و الآخر سطحي العمق … لكثرة ما داس و تآكل مطاطه وذاب … لونه بني … ولكنه الآن مكتسي بالأوساخ و الأتربة ، أغار عليه السواد فصار أشهبا مظلم … إنطفأت لمعة جلده … و إهترأت خيوطه … التي تكاد تلتف حتى تصل ركبته … فحذاء كهذا … يحتاج لأن يكون محكما على الساق بقوة ، حتى تكون قبضته على الأرض لمن بداخله ثابتة … بنطلون مزركش بتمويهات مظلِلة … يتداخل في الحذاء بين خيوطه و أطراف جلده … ليتناسق مع ما أصاب الحذاء من أوساخ و طين … لينعكس كأنهما بنية واحدة … تكتمل بإنتفاخات و ثنايا ترتفع لتصادفها الجيوب … جيوب متسعة … تكفي لدس الكثير من التراب … أزرارها حديدية … تسمع لوصتها تكتكات عندما ببعضها تلتقي لتغلق الجيب و تؤمنه … لامسها الصدأ في بعض أطرافها … فخوضها في طقس متقلب بأمطار و رياح و رطوبة عالية … جعلها أهلا ليصدأ معدنها … تلك جيوب لا تتعدى الفخذ في مكان البنطلون … الذي إستقر داخل حذاء الجلد الطابع على الأرض مربعاته … 

لينتهي في أخره بحزام كثيف النسيج قوي الشد خفيف الوزن … يحزّم خصرا يثبت عليه ما إستقر فيه من عظم و لحم … ليستره … و جيوبه الخلفية تكاد تسقط منه لولا تشبثها في البنطلون بغرز الخياطة …  وما أن ينتهي البنطلون حتى ينسدل معطف قصير … ذو قماش كأنه خيمة رجل فقير … يتهادى بأطرافه ملتويا متعرجا يجمع في ثناياه فتات الخبز و حبوب الغبار … تنتفخ جيوبه ، تتصادم أزراره مع ممسك السحّاب الحديدي خشن المظهر قوي الأسنان شديد الإقفال … جيوبه كثيرة عند جانبيه و أعلى الصدر عند القلب … و إن لم يكن تماما عند القلب ولكنه يساره ، و عادة يترك فارغا إلا من علبة السجائر … و قداحة تكاد تفرغ من سائل الإشعال ولكنها لا تزال بالغرض تفي لتشعل ما تبقى في العلبة من سجائر … و ما دون ذلك … فتلك الزاوية من المعطف خالية … خلاء صحراء واسعة خاوية … 

بين دفتي المعطف … قميص قطني تملأه صور تحتاج لتأمل حتى تستطيع ترجمتها ، الترجمة الصحيحة … ولكنها تقول أنا حر لا قيود بعد اليوم … تمتلئ بها بطن لها إنتفاخ طفيف … تضيق عند الرقبة بحواف مثنية … لونها مختلف عن البقية … فسوادها أغمق من سواد الحذاء و الأرضية … يغطي المعطف ما خلفها بثنية متسعة ينسدل منها خيوط شد مرخية … 

عند الرقبة … ينتهي القميص ليلتقي بتجويف بلعوم جلده بخفة يتنفس… لتطول الرقبة بشعر على ذقنه خفيف ، لم ينتظم في نموه بعد … أسنان لا يختلف لونها عن الحذاء عندما كان جديداً … معها ريح أنفاس كمن للتو خرج من أكل جيفة أبقى منها السبع بعض عظام … شعر أنف يطل خفيفا … على وجنتين كاد العظم ينطق منها هربا … لولا جلد به أمسك … حاجبان … بشعر كثيف منتصبة كخط أفق في ليل مظلم أصم أعمى … جبهة خطوطها منتهية … لا تصف خبرة ولا تصف عمر … ليعتري الرأس شعر تحرر من منبته يبحث عن من بالدهن يكرمه … حتى يهدأ و يتصفف في مكانه … يتطاول من تحت قبعة بلون البنطلون مزركشة … تقبع على رأس لا يحمل أكثر من فم يدخن … 

تحت الحاجبين فوق الخد عينٌ … كجمود جليد قطب شفاف … لا يفكر في الذوبان ليسقي ضمأ أو يحيي نبات … تقف في الفراغ تبحلق … لا ترسل إلى ما تحت الشعر والقبعة من جمجمة وما فيها أي إشارات أو تعبيرات … فقط … جمود … تنظر … في الفراغ … تمني نفسها … بما تحب من مال … و ما سيأتي بالمال من سلطة … 

كتف المعطف … يتخلل كمه ذراع هزيل … يمتد بداخله حتى يخترق كُمه … و تخرج يد عند آخره … بأصابع عظامها أكثر وضوحا من وجنتيه … أظافر لا لون لها إلا سواد و بياض متداخل مع بعضه البعض … وتلك اليد … على مقبض خشبي ملتصق في قطعة معدنية لها إمتداد بإنبوب مجوف … به إلتواء لولوبي … نهايته بزناد عليه إصبع ملتصق تقبض … 

جمود لحظة دامت أقل من جزء اللحظة … الذي فيه تلك الرصاصة في لولب الإنبوب الذي بين يديه … ببرود عينيه إنطلقت أطفأت دفئا في عيني أم و طفليها وأوقفت الدمع منهما  … بعد أن قتلتهم برصاصة في عنق الأب إستقرت … 

و في ذات التربة … إستمر الحذاء يرسم مربعاته … تتناثر منه حبات رمل وبعضها في أسفله يلتصق … وبعضه مع أنفاسه و نتانتها ينطلق … 



شكراً…

0 التعليقات: