بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

تطورت القرية ...

By 12:05 ص
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 






بعد أن رجع مراجع من رحلته إلى البلاد البعيدة ... أبهر الجميع بما يعرفه و ما يحكيه عن ما رآه في تلك البلاد ... كان الجميع ينصتون له و يكاد الطير يقف على رؤوسهم لشدة إنتباههم لما يقول…


بعضهم يوشك أن يأكل أصابعه من شدة الفرح ، و الآخر عيناه متسعة بإنبهار لما يقول مقارنا حياته بما يخبر عنه ... فتيات يمنين أنفسهن بالزواج من مراجع صاحب الرحلات الشيقة ... و آخرون يحسدونه لأنه يستطيع جمع القرية حوله وكلهم آذان صاغية ... 

يحكي مراجع ، عن أشياء خيالية بالنسبة لهم ، و إن كانوا لا يفهمون كثيراً من الكلمات التي يستعملها ولا يستوعبون معناها ولا مقصدها ... إلا أنهم موقنون أن من سافر إلى تلك البلاد لا بد أن يكون عرف أكثر مما يعرفون ... ولا بد أنه إختبر ما لم يخطر ببالهم يوماً أن يختبروه ... محظوظ هذا المراجع ... تغلب بكلامه و لسانه و فلسفته و مصطلحاته على إمام القرية الذي لم يغادرها أبداً إلا في كتبه التي ينكب عليها ... و هو الذي كان يفتيهم في مسائلهم و صيامهم و طلاقهم ... و لكن على ما يبدو أن هناك من سيغلبه في ذلك و سيجد لهم حلولا أفضل تسهل حياتهم... 

فقد فرغ المسجد إلا من بعض مصلين منذ رجع مراجع من رحلة الأحلام التي ليس للقرية حديث إلا عن تلك الشوارع الواسعة التي تسع ثمانية سيارات و إشارات المرور التي تنظم الحركة ... والكل يحترمها ... كاد المهدي يبكي عندما سمع بذلك ... فهو شرطي المرور الوحيد في القرية و لا أحد يحترم وجوده كما يفعل الناس هناك مع إشارة المرور ... 

وأكثر ما أعجب الناس و جمعهم على المقهى الجديد الذي إفتتحه مراجع ... و كان على طراز ما رآه في سفره والذي يبيع مشاريب باردة و ساخنة ... أكثر الناس يطلبونها و صفا من الصور التي علقت في المقهى لصعوبة نطق أسماءها التي لم يعتادوا تراكيب أحرفها ... 

تلك الشاشة الضخمة التي وضعت وسط المقهى ، تعرض الأفلام و البرامج و الصور التي تؤكد كل ما قاله و يقوله مراجع ... و هل يستطيع أحد أن يكذب صورة و هي متحرك وليست فقط ثابتة؟

بل أن هناك معلق و مذيع يؤكد كل شيء و إن لم يكن هناك أحد بإستطاعته فهم ما يقول ... و لكن من البديهي أن تُفهم الصور ...

بدأ الكثير من الناس يتغيبون عن الصلاة  ... و بدأ كثير منهم يلبسون من متجر مراجع الذي إفتتحه بجانب المقهى ... و تغيرت أساليبهم في الكلام ... و حتى عاداتهم في الطعام ... تغيرت فيهم أشياء كثيرة ... ولم يعد يعجبهم حجم طرقاتهم ولا سوء خدمات محلاتهم ، ولم تعد ترضيهم إجتماعياتهم و لا كبت رغباتهم ... و صار الكثيرون يتخلون عن كل ما يتخالف و ما تعلّموه و إختبروه من الحياة في تلك البلاد البعيدة التي زارها مراجع وجلب لهم منها الحياة و المدنية و التطور و الحداثة ...


أتُّهم الإمام في المسجد بالغش و التدليس ... و إعترض الكثير على رأيه ولم يعد يعجبهم ... و أخذ آخر كتاباً وقال أنا أفهم فيه أكثر من غيري و سأقول لكم ما تريدون منه ... 


و كلما تلكم الإمام بخطبة أو في درس ... قام أحدهم و إعترض بأن ما يراه في العالم الآخر من تطور حدث وليس لديهم إمام و لا مسجد ، و ربما أنت يا إمام و هذا المسجد هو سبب من أسباب ما نحن فيه ... فدعنا و شأننا و سنجعل هذه القرية أفضل قرى الوادي ...


كلما تكلم الامام بكلام أوقفه أحدهم وقال ... يا إمامنا الوقت تغير و الدنيا تطور و هذا الكلام الذي تقول قديم ... أليس لديك اي تحديث أو نسخ جديدة؟

لكن الإعتراض من الكثيرين كان يواجه كل من إنتقد الشيخ في تقديمه للنصيحة و دعمه لما يأمر به الدين و يدعوا إلى تطور مفهوم و فهم للدين يدعم التطور و يؤيده لا أن نحاربه و نقيده .

أصبح مراجع أكثر غنى ... و معه عمل كثير من صبيان القرية ... إفتتح نادياً لتعليم البنات مهارات الرقص و تصفيف الشعر و كيف تمتلكي أجمل قوام للإنتباه مُلفت ...

زاد تذمر الكثيرين من عدم مواكبة كل أهل القرية لهذا التطور و إتهموهم بوقف عجلة التقدم وأنهم سيبقون جهلاء طوال حياتهم و أن هذه الحضارة التي سبقتهم نموذج يجب أن يتبع بكل تفاصيله ، و أن أكبر منك بيوم أعلم منك بعام فلماذا لا نواكب الحضارة …

باتوا يسبون و يلعنون و يصفون أهل القرية بالجهل و أنهم سبب التخلف وأنهم سبب ضيق العيش و المعيشة لهم ... و أنه ربما عليهم التخلص من أهل القرية جميعاً الذين لا خير فيهم ولا رجاء منهم … حتى يتمكنوا هم من مواكبة التطور ... 

فوقف أحد الكبار  ... 

وقال 

إلى كل من يرى في نفسه أنه منفتح الفكر و العقل و أنه يملك نوراً في عقله لا يملكه غيره منا... إلى كل من يرى أننا سبب من أسباب تأخره و تخلفه و تراجعه عن بقية الأمم ... إلى كل من يرجع سبب كل حزن و هم وغم و تخلف هو فيه إلينا نحن الجهلاء الذين يعيشون في هذه القرية … 

لعلك لا تملك الشجاعة لان تذهب و تعيش مع أهل الحضارة الذين تعجبك أفكارهم و تطبيقاتهم ، و لعلك بذلك ترتاح من كثرة الحديث عن أصحاب الجهل وتتركهم خلفك ... اترك الجهل لأهله و إذهب و عش حياتك مع المثقفين المتعلمين الذين يعلمون من الحياة ما لا نعلم ... و العلم دليلهم لكل شيء و إن خالف من أوجد العلم و يسره …

أم أنك تملك الشجاعة فقط على إطالة لسانك بكلمات تعلم جيداً أن كثير منا لا يفهمها ... و أنا أفهم أنك أنت أيضا لا تفهم محتواها و لا معناها على نفسك وتأثيرها عليك ... أنت تملك الشجاعة للإنتقاد فقط و ليتك تملك نقدا بناء ... فنقدك للتحطيم و تعليق الفشل الذي تعيشه على الغير ... فإن كنت تدّعي التطور و الفهم أكثر من غيرك ... فلما لم تستعمل هذا الفهم و هذا الفكر و التفتح و التطور لحل مشاكلنا و لوضع بذرة خير تغير جهلنا الذي تتهمنا به إلى علم كعلمك و تكون أنت سيد علينا ... بما لديك من علم نفعت به غيرك … و تبتكر الطريق التي لا تخطر لنا على بال حتى تجعلنا نتغير و نتحضر … لما لم تضع يدك بيد إمام القرية حتى تتعاونا معاً لتطوير ما لدينا ، أو لأقل تصحيح الفهم فيما لم نستوعبه و تصحيح المسار لما يحقق تحقيقا أدق لما نعمله ...

و لكنك جبان ... تدعي التحضر و الوعي و تقف عند الإدعاء ... و ليس لديك إيمان أن تترك ما تحاربه وليس لديك الشجاعة حتى ... أن تذهب لتعيش مع من تتخذهم لك قدوة في التقدم و الحضارة و الحداثة الإنفتاح و التعقل ... ليس لديك شجاعة و ليس لديك حقاً قضية ولا فكرة … كما تدعي …

رأيت رجالا تركوا كل شيء خلفهم و ألقوا بأنفسهم في عرض البحر ... لتحقيق أهدافهم ... التي اعتقدوها فاعتنقوها و إلى تحقيقها سعوا …

إنه الموت يستقبلونه بأنفسهم رغبة في تحقيق ما حلموا به ... 

و أنت جالس بيننا تنتقد جهلنا و تضطر نفسك للتعامل معه و لم تكلف نفسك إيجاد اُسلوب مناسب بذكاءك الفائق للكل و بوعيك الفذ و بعد نظرتك الزرقاء ... و قدرتك على تمييز ما عجزنا عنه ... أن تغيرنا و لو شخص واحد كل مرة ... حتى تستطيع فعل التاثير بعلمك هذا …

و إن كنّا لا نصلح و إستنفذنا قدراتك و الجهل متعمق فينا ... فإليك بمركب و عنا إرحل لتعيش حياتك الواحدة حيث يرتاح فكرك وعقلك ... وتعيش مع أهل الحرية لفعل ما تريد ... لعلك ترى الرجل يلد الذرية بعد زواجه من رجل مثله ... 

تلك حرية أنت تدافع عنها ... فإذهب ولَك منا قارب آمن 

لتدع الجهل و أهله إن لم يكن لديك حل يناسب قدراتك لتبدأ فيه معهم ... و لتعش حياتك قبل أن تستنفذ أيامها فيما لا يمكنك أن تؤثر فيه … 


شكراً 

1 التعليقات: