بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأربعاء، 28 أكتوبر، 2015

تحطم الكثير ... و معه الطائرة

By 7:35 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




لعلك سمعت بالحادث الآليم الذي أودى بحياة العديد من الناس ... حادث تحركت له مشاعر الكثيرين و إستشاط الغضب فيهم و بدأ التوجه إلى إيجاد الملام في هذا الحادث و من قام به ... و ضرورة عقابه ... فإجتمع القوم و تنادوا أن حي على الدم ... 

وقف الشيخ في وسط المجمع و هو ينظر للجميع ... بعد أن فاض بهم و بأقوالهم و سخطهم على هذا الحادث الذي أودى بحياة مجموعة من الشخصيات و المرافقين الأبرياء ... و نظر في الجمع حوله مطولا ... حتى إنتبه له الجميع و إبتلع كل لسانه و عض على أسنانه و العين تسمرت تنظر إلى شيخ عرف عنه الحكمة و الرزانة و الحزم و رجاحة الرأي ...

إنتظر الجميع و في قولبهم غيض و فيض مما حدث و هم على إستعداد لتلبية كلمة توحدهم على الآخذ بثأرهم لدماء من سقطت بهم المروحية ... 
و كلهم إستعداد للهب و الزحف نحو من توجهت لهم أصابع الإتهام لسحقهم و كسر شوكتهم ، و إطفاء ما يحاولون إشعاله من لهيب ... 


صمت الجميع ... التفت الشيخ ناظرا لكل من إلتفت إليه وهو يحمل معان كثيرة في عينيه ، بدت كأنها ستشفي غليل كل من كان يقول أن هذا حادث لا يغتفر أن دماء هؤلاء لن تضيع هدر ... أن الوقت قد حان للحد من هذه الأعمال العدائية الغير مسئولة ، و التي أدت إلى مقتل أبناءنا من قادة و مرافقين ... 
عمل شنيع ... تمتم أحدهم ... لأثأرن لذلك و لأخرجن أهلهم من ديارهم ولا أبقي فيها أحداً ... إنهم يستوطئوننا و يستغلون طيبتنا ... 
إلتفت إليه الشيخ و نظر نظرة حازمة ... جمدت العرق على جبينه و إبتلع لسانه و طأطأ رأسه ... و لم يعقب ... 

قال الشيخ ... في حزم …

بسم الله الرحمن الرحيم ... و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الوعد الأمين ...

نسأل الله الرحمة و المغفرة لمن قضى و أتاه أجله و هو الآن عاد من حيث أتى ... في دار الحق إستقر ندعوا الله أن يجعلنا و إيها من اهل جنة الخلد … 
نسأل الله أن يرزقنا ميتة نشهد له فيها بالتوحيد و لنبيه بالرسالة ... و أن يرحمنا يوم البعث و يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله و أن نتجاوز السراط بلمح البصر ... و ندخل الجنة بسلام ...

لا شك أن ما حدث بالأمس حادث آليم ، و و قعه على الأنفس جسيم ، و أن الجميع غلى الدم في عروقهم و إستشاطوا غضبا على ما وقع من حادث و أرى الوعيد في أعين الجميع ... أرى الشر يتطاير من عينيك أنت ... و أنت و أنت ... ترى أنه لا بد من سفك دم أكثر حتى ترتوي و تشبع ... و يعلوا بك الغضب ... دمع الرجال صعيب نزوله ... و لكنه لا ينزل إلا كما تنزل الحمم على الخد ... فما سالت حمم الدمع عند الرجال إلا ببراكين بداخلهم هاجت ... و تأججت و فارت ... 


ما أراه أنكم لا تستحون ... 

تمتم الجميع و نظروا إلى بعضهم البعض ... ماذا يقول ؟ كيف لا نستحي ... و نحن نذب عن دماء إخوتنا و عن شرفنا و عرضنا ... كيف يقول هذا ... و الله لولا أنه هو ... لتصرفنا معه تصرف آخر ...

نعم ... أنتم لا تستحون ... و ليردها من أراد و ليقبلها من يقبل ... لا تستحون لأنكم تعلمون أن الإجرام موجود و متنامي ، و أن القتل كذلك موجود و متنامي ... لا أرى فرقا بين متقل شخص بريء لأجل سلب سيارته و بين من أسقطت بهم الطائرة ... كلها أرواح ... و لا أرى فرقا بين مقتل أحد بسقوطه هو من الهواء أو سقوط رصاصة على رأسه من السماء ... ولا فرق بين من أطلقت على ساقه رصاصة لأجل ما في جيبه من مال و هاتف ولا بين من سقط البيت على رأسه بقذيفة أطلقها أحمق يكره أحمقا آخر في جهة أخرى ... 

لم أرى هذا الغضب و الإجتماع عندما قتل عدد كبير جدا من إخوتكم في كل الجهات ... من كل الأطراف ... كم سيارة نهبت على الطريق و قتل أو أصيب صاحبها؟ في كل المناطق شرقا و غربا و حتى وسط المدينة … 

ليجبني أحدكم ...

طأطأ الجميع رؤوسهم ... و هم يعلمون أن العدد ليس بالهين ... ليس بالهين قتلا و تشريدا و ترهيبا و رعبا ... ليس بالهين خطفا ولا تعذيبا ... ليس بالهين في محيطهم ولا في عابر السبيل من أحياءهم ... لا ليس بالهين ... فرقم واحد فقط يعد عددا كبيرا ... فشخص واحد فقط يعد تجاوزا خطيرا ... فمن قتل هذا الواحد ... كأنه قتل الناس جميعا ... و لن يكون أبدا هينا ...


كرر الشيخ كلمته ... 
ليجبني أحدكم ... كم قتيل و معذب و مشرد مر من أمامكم و سمعتم خبره ... و لم تهب لكم هبة ... و لم تتحرك لكم شعرة ... تكتفون بالحديث على موقعكم الأزرق ؟ تتناقلون الوعيد و الشتائم و المخاوف و تحتسبون عجزكم على الله ؟

أين هبتكم ذاتها عندما يقتل شخص لا يعرفه أحد ... في أي مكان ... لا أتحدث فقط عن مضاربنا ... ولا أتحدث فقط عن حدودنا ... ولا عن فاعل واحد أو مسبب واحد ... بل أتحدث عنا جميعا … أين هبتكم عندما يظلم من أتى لإزالة الظلم؟ 

أشار لإحدهم و قال ...
أنت أليس لك نسب في الجنوب؟ 
نعم ... 
و أنت أليس لك صهر في الغرب ؟ 
نعم 
و أنت و أنت ألستم أباء لمن أمهم من الشرق؟
هزوا رؤوسهم ... نعم 

إلتفت لآخر ... ألم تزوج إبنتك لرجل من الجبل؟ 
و أنت إبنك يعيش في الوادي؟ 
و أنت زوجتك من الريف ...
و أنت درست في المدينة 
و أنت أخوك أخ لرجل من أقصى الجنوب الشرقي 
و أنت أمك لها أبناء أخوة لك في وسط البلاد؟
أنت ... 
أشار بيده إلى نفسه ...
نعم أنت ... ألست خالا لمن تتهمهم بقتل أخوتك ...
و أنت عم و ذاك خال و هذا صهر و أنساب ... 

حمقى أنتم؟ تعيشون في الجاهلية ؟ 

تثورون على فعل دون آخر ... تثورون على أهلكم لآنهم لا يسكنون منطقتكم ...  ثم تثورون على مقتل أحد دون آخر ...

قام أحدهم و قال ... و لكن الوضع هنا يختلف ... و هم فـ...

أسكت لا تتكلم ولا تنطق بكلمة تعرف أن لا حق لك فيها ... فلا إختلاف في الوضع ... الموت موت واحدة ... و القتلى أخوة لنا ... سواء في سياراتهم  أو طائراتهم ..شرقهم و جنوبهم ... أم أن من لا أهل له ، لا نغضب لمقتله و لا نحاول إيقاف القتل أيا كان لمن كان و في أي وقت كان ؟

تتعصب لقبيلتك؟ تتعصب لمنطقتك أو مذهبك أو سياستك و  فئتك ؟ 

ظالم و جهول أنت ... 

أتحداكم أن يخبرني أحد بإجتماع كهذا عندما خطف الرجل و أسرته من سيارتهم ... و أخذ إخوته يستجدون الجميع العون و الكل يقول نفسي نفسي ... و إنتهى بهم الأمر قتلى أجسادهم ملقية على قارعة الطريق ...

يؤسفني أن أقول ما أقول و لكن ... كفى ... كفى جهلا و كفى تعصبا و لتبحثوا لأنفسكم عن عقول ... لتجدوا ما يبني جدرانكم و يقيم صلب سواعدكم لتبنوا حياة تستحق أن تقول أنك عشتها ... و لمن ستقول ذلك ؟ للجيل الذي سربيه في البيئة التي ستصنعها …

لا شيء يأتي بالسهل ... و لكن كل شيء يهدم بالجهل ... فلا تغذوا جهلكم بعمى العصبية و كبر الجاهلية ... 

لم يبقى من عمري الكثير أعرف ... قضيت سنين طويل بينكم ... و الكل يعرف ما أعنيه و أقوله ... فاض الكيل و طفح من قلة العقل و كثرة الغل  إغتيال المعروف بينكم و بين بعض ، لن يفيدكم ما تجمعون من مال ولا ما تنجبون من عيال ... لن يفيدك ما بنيت من قصور ... فالحرام يتآكل بنيانه كما يأكل الحامض أكياس البلاستك ... سيذوب كل ما جنيت و يتبخر هباء ... يعمي به بصيرتك أكثر فأكثر ... كلما تبخر ...

لا أقول أن لا يحق لكم أن تغضبوا لمقتل إنسان ... و لكن ... أن تعدل في غضبك كما تريد العدل على نفسك ... أن تعامل القتل كل القتل كما لو كان قتلا فيك ... ولا ترضى لأخيك الذي عاديت إلا كما ترضى لنفسك ، و ذلك فيه من العدل أن تعدل مع و على نفسك ... و أن تعرف أن له نساء و أولاد كما لك ، و قبلتك و قبلته واحدة ... و لا تنسى أننا في بحر الفتن ولا نريد أن نغرق فيها.

لماذا أقول لكم هذا القول و أنتم جميعا تعلموه ... تعرفون جيداً ما أقول ... و إن كنتم الطرف الأضعف ... لن يكون حديثكم هو ذاته ... عندما أحسستم أنكم قادرون ... و هذا أيضا ينطبق على الآخر ... 


لن أطيل عليكم ... كما لن يطول عمري بينكم أكثر مما مضى ... ولكن ضيعتم العقل بينكم ... و لم يعد فيكم كبير ... صاحب عقل تسمعون له ... و أنا أقول ما أقول ... و أرى الشرر يتطاير من عين كل واحد منكم ... و كأن ما أقول ، ما هو إلا حديث شيخ هرم لا يلزمنا ولا ينفعنا ... لا يلتفت إليه ولا يؤخذ به ... 

ولكن ... سيأتي يوم و تذكرون ما أقول ... و يعي كل منكم معنى أن تتعقل و تعدل ... و تتكاثف الأيدي البسيطة ... الضعيفة ... لتكون قوة لا يستهان بها في الحق ، لرد الحق إلى مساره و إيقاف اللغط و السفاهة و إرذال العقول ... 

الموت واحدة ... أينما مت ... هي واحدة ... أهمها أن تموت على الحق و أن لا تموت وفي ذمتك قطرة دم مسلم حرام ...  بكلمة أو بوصف أو برصاصة أو حتى منع حق من الحقوق … 

و إن كنت حقا تهتم لدم المسلم ... فكله حرام و ليس جزءه فقط ... و إن كنت أعلم أنكم ستعودون لنسائكم و صحونكم بعد أن يسفك دم هنا و هناك ... و لكن يكون منكم حل جازم حازم قاطع ... 


التفت الشيخ  خارجا... و لم ينطق أحد بعده بكلمة واحدة ... 



تذكر ... لماذا



شكراً

0 التعليقات: