بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الجمعة، 17 يونيو، 2016

الإختلاف ...

By 9:47 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





مد يده ليجد أقرب جدار له ليسنده ، حتى لا يوقعه ما أصابه من دوار أرضا … غشاوة غطت العين و بها الرؤيا إنعدمت في دامس ظلام لم يكن فيه شيء من نور … 
يا إلهي ما الذي يجري ماذا يحدث لي … أتراني أهملت أخذ جرعة دوائي … لا لم أهمل ، متأكد أنني أخذتها في حينها … 

بقي هناك للحظات غاب فيها عن ما حوله ، حتى نسي أين هو و أين يقف … إنطفأ كل شيء من حوله بالنسبة له كل شيء لا وجود له … لا ضجيج في الشوارع ولا أصوات المارة و لا إحساس حتى بالأرض تحت قدميه ولا بالجدار متكئا عليه … 

ولا شعور أكثر من أنه لم يعد موجودا أبدا كمن غاب عن الوعي تماما ، رغم أنه مازال واقفا … ليشعر رويدا رويدا بعودة أصوات الشارع إلى سمعه و ينتبه أنه يقف في ظلام نفسه ، ففتح عينيه ليعود إلى النهار من حوله … 

هز رأسه محاولا إرجاع النشاط لنفسه و التفكير في الإحساس الذي راوده للحظات … أستوى واقفا نفض يديه ببعضها و نظر أمامه ، ليجد أنه يقف أمام زجاج عرض أحد المحلات التي تبيع الملابس … فلفت إنتباهه قميص معلق للعرض … أخذ يتأمله و يدقق فيه و يتفحصه … ولكن كان هناك شيء غريب في هذا القميص … تحرك يسارا لينظر إليه من زاوية مختلفة و يدقق أكثر ، فلربما يكون نظره هو الذي يغشه أو أن يكون التنسيق هو الذي أخفى الكم الأيسر … ولكن لم يكن شيء من ذلك … غريب هذا القميص … من سيشتري قميص بكم واحد ولا فتحة لتدخل منها يدك الأخرى ؟ 
و زاد إستغرابه أكثر مع إلتفاته ليرى بنطلونا معلق على جانب زجاج العرض … وقد كان بنطلون أيضا بساق واحدة فقط ولم يكن له ساق أخرى … 
تحسس نفسه و لمس أطرافه ليتأكد أن كل طرف في مكانه الطبيعي … وعاد و نظر إلى العرض ليجد أن كل الملابس المعروضة هناك كانت بكم واحد ولا وجود لفتحة الكم الثاني ، و كل البنطلونات ذات ساق واحدة ولا وجود لثانية أو حتى لفتحة ثانية ، حتى أن الجوارب كانت تعرض واحدة واحدة … ربما هي حملة دعائية يقوم بها هذا المحل!

بقي محدقا في الزجاج محاولا خلق ظل يمكنه من رؤية ما بالداخل أو من بالداخل فقرب رأسه أكثر و غطى بكلتا يديه جانب وجهه ، ولكن كان الظلام يغلب على الصورة و لم يستطع أن يميز أحدا أو يميز شيئا مما بالداخل … 
خفض يديه وأبعد رأسه عن الزجاج وهو ينظر إلى إنعكاسه ، لينتبه أن هناك إنعكاسات أخرى واقفة حوله … خفق لها قلبه … و إبتلع ريقه بصعوبة محاولا أن لا يظهر إرتباكه وهو يحدق في الظلال التي أحاطت به أشباحها في زجاج المحل … 
لم يجروء على الإلتفات أو النطق بشيء وإستمر في التظاهر بعدم الإنتباه و الإستمرار في مشاهدة المعروضات … حتى قفز فزعا بوضع أحدهم يده عليه متحسسا يده اليسرى … فإلتفت ليجد وجوها حوله اجتمعت تنظر إليه نظرة إستغراب و تعجب متسائلة بين بعضها البعض و متمتمة بكلمات حيرة و إستغراب و شفقة … وبعضهم قريب من بعض …
دارت الأفكار في ذهنه متسارعة ما الذي يحدث … ماذا جرى لي … أين أنا … ما هذا المكان … لما الأعين تحدق بي هكذا؟
حتى قاطعه أحدهم بالسؤال …خيرا يا أخي هل تحتاج إلى مساعدة ؟ 
إلتفت إليه قائلا 
لا أبدا لا أحتاج أي مساعدة لما قد أحتاج مساعدة من أنتم؟ 
نحن من رأى حالك و وقف يعرض المساعدة…
أنا لا أحتاج إلى مساعدة … 
بلى يبدو أنك تحتاج … 
قالها وهو يشير إلى ساقه و يده …
فتحسس ساقه و يده و كانتا كما يعرفهما دائما … 
فقال بكلمات متسارعة … ما بال يدي و ساقي … أنا بخير لا أشكو من شيء أبدا … إليك عني … 

فربت الرجل على كتفه و قال ، لا تخف يا بني نحن نقدر ما أنت فيه و لن نتركك تعاني لوحدك … لا تخف … نحن هنا لنساعدك ، نتفهم شعورك جيدا … 

أزال يد الرجل من على كتفه وهو يقول ، أنا لست بحاجة لمساعدة إبتعدوا عني … إبتعدوا عني … 

أخذ يرددها وهو يبتعد عن الإزدحام مسرع الخطى دون أن يلتفت … حتى سمع أحدهم يناديه قائلا … محفظتك يا أخي محفظتك … 
فتحسس جيبه و كانت محفظته حقا قد إختفت ، إلتفت ليتأكد من قوله ... فتجمد في مكانه مشدوها ناظرا للجمع الذي كان حوله … و فهم الآن ما يعنيه الرجل أنه يحتاج إلى مساعدة و إلى علاج … 

فهم أنه كان عن الجميع مختلفا … فقد كان الجميع بساق و يد واحدة … و هو كان عنهم مختلف … فلم يكن بالنسبة لهم طبيعيا ... وكان بحاجة لتعاطفهم معه ... 



شكراً…

0 التعليقات: