بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الاثنين، 8 فبراير، 2016

العين السحرية ...

By 11:15 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




إطار بني غامق من الخشب الطبيعي على الحائط معلق … تتوسطه صورة لإمرأة بريعان الشباب فرحة تبتسم للعدسة و عينها بالحياة تشع … في يدها خاتم يعكس لمعان و بريق يأخذ البصر … و يدها في يد شاب وسيم المطلع أنيق الثياب معلقة … وهو أكثر منها فرحا و سرور … الطبيعة و أصناف الزهور خلفهم تظهر… و الشمس عند ساعتها الذهبية تشع دفئا بين إطار الصورة الداخلي و الإطار الخشبي المعلق على الحائط الذي يقبع أمامه حذاء رياضي بقاعدة مطاط بيضاء و نسيج قماشي سميك أزرق و رباطه الأبيض المتدلي من جانبيه … و في الحذاء قدم رقيقة تنتهي بساق ترتدي بنطلون جينز أزرق مزقت أطرافه و تناثرت لتكون كريش نتف من جناحي فرخ حمام … يتدلى فوقه قميص قطني متسع بجيب منتفخ … و غطاء رأس على كتف متدلي … و خيوط ربطة الغطاء مستلقية على صدره … يعلوه وجه مستبشر ناعم بخدود كورد زهري متفتح تغطى … و عين عسلية فوق الخد فيها ينعكس إطار خشبي على الحائط معلق … 

تتأمله  تدقق في شخصياته … تنهدت و وقفت على أطراف قدمها … وضعت يدها في جيبها  هزت رأسها و ابتسمت … رفعت يدها … مررتها على الصورة … و إطارها الخشبي … أعادت يدها إلى جيبها … و إلى الكرسي بجسدها ألقت … 

إتكأت على يد و الآخرى على بطنها وضعت … أخذت تنظر إلى السقف و تحدث نفسها … بحياة تتمناها … و صحبة لنفسها ترجوها … أهداف تحققها و طموحات تريد أن تفوز بها يوما … 

إلتفتت برأسها لترى جهاز التحكم عن بعد بالتلفاز موجود عند متناول يدها على المنضدة الصغيرة أمام الأريكة التي عليها إستلقت … ففردت يدها و إلتقطته … و به إلى التلفاز أشارت و على زر التشغيل ضغطت … برنامج عن الطعام … زر التالي ضغطت … برنامج عن الحيوانات … برنامج عن الرياضة … أخبار العالم كله ملل … مسلسل لم ينتهي منذ كانت في الرابعة عشرة وربما ستتخرج من دراستها الثانوية هذا العام و لن ينتهي هذا المسلسل … ها هو برنامج ترغب في مشاهدته … برنامج المواهب … ألقت بجهاز التحكم عن بعد حيث كان … و أرجعت يدها على بطنها و تسمرت العين بإتجاه الشاشة … تلحقها إبتسامة ثم إمتعاض … ففرحة … فخوف … 

جرس الباب … جرس الباب … جرس الباب … 
أخيرا إنتبهت … أنقصت صوت التلفاز و أنصتت … لتسمع مجددا … جرس الباب … 
هرعت إلى الباب و من الفتحة السحرية نظرت … وركزت … من بالباب … 
وجه مستبشر مبتسم بلحية خفيفة و شفاه مبتسمة … و شعر أكرمه بدهان و ترتيب وإهتمام … تأخرت عن العين السحرية و نظرت حولها و لنفسها قالت … من يكون يا ترى ؟ 
أعادت النظر من العين السحرية من جديد … و رأته يمد يده إلى الجرس مجدداً وهو قريب منها يطلق ضجيجه … وضعت يدها على مقبض الباب … ولكنها تأخرت … وقالت من يكون … لا أعرفه كيف أفتح الباب لمن لا أعرف … تحركت … حول نفسها في الصالة … إتجهت إلى النافذة لترى من هناك لعلها ترى سيارته … فما وجدت شيء هناك واضح … جرس الباب … جرس الباب … رفعت هاتفها و أرادت الإتصال ولكنها ترددت … و بمن ستتصل؟ لا تعرف … 
وقفت مجددا أمام الباب و من العين السحرية نظرت … و هذه المرة قالت … من هناك ؟ … لم يصل الصوت فأعادت قولها … من هناك … من أنت … 
فسمع الشاب ذو الثوب الأسود و الإهتمام بالنفس واضح جدا في تفاصيله … وقال أنا صالح … جئت أطمئن عليك …
تراجعت عن العين وقالت في نفسها … يطمئن علي؟ من هو ومن أين يعرفني ليطمئن علي … فعادت عينها إلى الفتحة و قالت مجددا ولكن من أنت ؟
فقال 
  • لا تخشي شيئا … فقد جئت مهتما لأتأكد إن كنتي تحتاجي لشيء أو ينقصك شيء … 
  • شكرا لك لا أحتاج لشيء ، لا ينقصني شيء فكل شيء متوفر لدي ولا أعرفك من تكون حتى أفتح لك الباب … 
  • إذا رأيتني مباشرة ستعرفي من أكون … أنا جاركم أسكن في ذات الشارع و عرفت أنك و حيدة و فكرت إن كنتِ تحتاجي شيئا أستطيع أن أخدمك به فما دفعني إلى طرق الباب إلا الإهتمام … و ها أنا أقف بعيداً عن الباب …
تأخر بنفسه عن الباب و وقف متنحيا إلى جانب … فنظرت إليه … فبدا صورة كاملة لشاب جد أنيق … و كتف عريض و بنية تبدو رياضية و طول فارع و أناقة متكاملة … في نفسها تقول هل هذا واقعي الذي أنظر إليه … أم هو صورة من صور مواقع الموضة و المسلسلات … 
رجعت حيث الكرسي جلست عليه لحظات وضعت إصبعها على شفتيها … و من ثم عضت على ظفرها … و هي تسأل نفسها … من يكون يا ترى … إنه أنيق جدا و مهذب في كلامه ولا يبدو عليه السوء … وقفت … نظرت من فتحة الباب … عادت … سارت بين الكرسي و الباب مرورا بالممر … جاءت و ذهبت في الممر … وهي تفكر … و تحاول تذكر ما كان والداها دائما يوصيانها عن الغرباء … ولكنها فكرت أن هذا كان قديما عندما كنت صغيرة ولكنني الآن كبرت ولم أعد طفلة وأستطيع السيطرة على نفسي و إتخاذ القرارات … نظرت مرة أخرى … و حقا بدا الشاب وسيما … ففكرت في أن تفتح الباب ولكن تبقي على السلسال للحماية حتى تتأكد منه و مما تراه … 
وهكذا فعلت … و نظرت بعينها من إنفراج الباب المحمي بأمان سلسال صغير يثبته … بدت عينها العسلية من الباب و إنعكست تباشيرها على محياه وهو يقترب … حتى يكلمها … فردت الباب أكثر كادت تغلقه … وقف مكانه وقال 
  • لا لا تغلقي الباب أرجوك … فأنا هنا لأجلك … وأنا جاركم أسكن من بيتكم قريب 
  • ولكن كيف لم أرك من قبل؟ أم أنك جار جديد؟
  • بل جار منذ زمن بعيد وهذا لا يمنع أن أعرفك على نفسي و أرى إن كنتِ تحتاجي شيئا أو ينقصك شيء فالجار للجار
  • لا أعرف ، لا ينقصني شيء الآن و أشكر إهتمامك ولطفك ولكن من تكون 
  • أنا أسكن في ذات الحي … كنت أراك دائما وأنتِ في طريقك إلى المدرسة … وأكثر ما يعجبني في الفتاة هو أهتمامها و إنتباهها و حرصها على نفسها و عرفت أنك وحدك اليوم ففكرت في أنك قد تحتاجي شيئا … و تكون فرصة لكي أعرفك عن قرب و تتعرفي علي … 

فجأة أغلق الباب … فوقف الشاب حائرا … فيما حدث فجأة … و خلف الباب عين ترقبه … و قلبها يخفق بقوة … يخفق بشدة … كأن لا شيء حي في هذا الجسد إلا … دقات القلب المتسارعة بشدة تتخطف معها الأنفاس وتضاعف الإحساس… أخذت تروح و تجيئ أمام الباب … و تشعر بحرارة في وجهها لشدة تدفق الدماء إليه … قلبها يكاد يقفز مع القميص القطني الواسع … يدها ترتعش … إرتعدت عند سماع … جرس الباب … مجددا … قالت في نفسها يا الله … ما هذا الإصرار … و جرس الباب مجددا …
ماذا علي أن أفعل … ماذا أقول … شفتي ترتعش … يداي … لا تكاد قدمي تحملني … نظرت مجددا من العين … يا ربي … هذا شاب وسيم … لماذا يحدث لي ذلك … رأته مقتربا من جرس الباب و يرفع يده ليقرعه مجددا … وقبل أن تصل يده إليه
دق قلبها بسرعة و يدها دب فيها كهرباء حركتها فأزالت السلسال و فتحت الباب و وقفت وليس بينها وبينه شيء و أنفاسها تكاد تتقطع … فتفاجأة عندما رأها … وألحق المفاجأة بإبتسامة خفيفة أظهرت صفا مستويا من الأسنان … لمعت معه عينها … 
فقال …
  • مرحبا 
في خجل خفيف و تسارع أنفاس قالت 
  • مرحبا 
  • أنت بخير ؟
هزت رأسها بإبتسامة شفافة … و عين بالفرحة تفضح ما في داخلها يضج … تقدم منها فإعترضته … فبادرها بإستفسار من عينه … و إبتسامة … و أمال الرأس … فتنحت و له سمحت بالدخول … 

لحظات هدأ فيها كل شيء … توقف فيها كل شيء … سكن السكون و هدا الهدوء … 


ركنت سيارة رمادية بعجلات جديدة أمام البيت ومنها حذاء نسائي بني بكعب مرتفع ترتديه إمراة في منتصف العمر على الأرض وقف … وضعت المفتاح في الباب و أدارت لتفتح الباب وهي الحذاء عند المدخل على بساط خشن بني تمسح … تقدمت … وأغلقت الباب خلفها … وفي المدخل حقيبتها تركت والمفتاح في مكانه علقت … خلعت الحذاء و إلى صالة المنزل من الممر إتجهت … لتقابلها صدمة ما كانت يوما تتوقعها … تسارع في لحظة نبضها و إتسعت حدقة عينها … و عصف بذهنها ألف عاصف و هبت فيه رياح و رياح … اليد ترتعش و القدم بالكاد تحملها … إقتربت من إبنتها التي كانت على الأريكة ملقية بنفسها و الدماء تغطي قميصها… والنبض فارقها و أخذت تضع يدها على فجوة في صدرها مكان القلب تركت فراغا … و الفتاة تنظر إلى أمها تشير إلى إطار صورة على الحائط معلقة  … و تشير إلى الباب … الأم تلتفت و تقول … أين قلبك يا إبنتي … الدمع من العين في إنهمار … أين قلبك … ماذا فعلتي … أين قلبك … لما فتحتي الباب … 


شكراً…




0 التعليقات: