بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأحد، 14 فبراير، 2016

على سيرة الحب ...

By 10:50 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 





صوت قرقعة … متكرر … جعله يتقلب … و ينظر إلى الساعة ليتأكد  من الوقت … إنقلب على جانبه الآخر … أخذه النوم لشدة التعب في عمق الحلم … 
صوت القرقعة تكرر … فتح عينيه وهو في مكانه … محاولا الإنصات … سيتكرر الصوت … ها هو … ولكن لا شيء تكرر ولا شيء عن أي شيء حوله صدر …

حاول العودة إلى النوم مجددا ولكن كان النوم عنه قد إبتعد … و لم يسعه أن يرجعه و يغمس عينيه فيه لتشبع به … و تستريح عظامه …

إنقلب على ظهره و إستقبل السقف … شديد البياض … صافي … بلا شوائب … تنهد … و أرخى أطرافه … وسكن …و تجمد هناك لحظات … لحظات لم تدم طويلا … فشقها صوت قرقعة متصل … 
إنتفض من مكانه كمن سكب عليه إناء ماء بارد … و أتى جالسا … في مكانه … و قال يا الله … ألهذه الدرجة أخذ مني الجوع مأخذه … ألهذا الحد نسيت أن آكل شيئا أقيم به صلب نفسي … بطني تقرقع في نومي … و لتني حملت بوليمة أو طبق شهي … 
- ولكنها نتيجة طبيعية لمن إلتهى عن نفسه …
إلتفت حوله يبحث عن مصدر الصوت ، و ظن أنه يهذي لشدة الجوع و الإنصراف عن الطعام … 
- لا تلتفت ، فمهما إلتفتت لن تراني … 
قفز من سريره وهو يمسك وسادته و وقف في منتصف الغرفة حاميا نفسه بالوسادة … ملتفتا يمنة و يسرة … يراقب كل زاوية من الغرفة … مد يده بسرعة ليزيح الستائر … و يدخل النور إلى الغرفة … لعل أحدهم مختبئ في مكان منها …
- لا تتعب نفسك … لن تراني ولن يؤثر في وجود النور من عدمه 
أنصت من الجهة التي يأتي منها الصوت … و قال … من أنت … أين أنت … أخرج ولا تخف … 
  • أخرج؟ هل أنت متأكد؟
  • نعم نعم أخرج أرني وجهك … من تكون …
  • حسنا … يبدو أنه علي أن أشرح لك من البداية ، هل لك بالجلوس و الهدوء؟ 
  • لا … لن أجلس حتى تخبرني من تكون و من أنت و كيف دخلت إلى هنا … وماذا تريد مني … 
  • لا أعرف إن كان هناك من هو مثلك مهملا لنفسه ناسيا لها لا يعيرها أي إهتمام … 
  • لا لست ناسيا ولست مهملا لشيء … هيا أخرج و كفاك فلسفة 
  • أنت ؟ تريد أن تقنعني أنك مهتم بنفسك و تعرف ماتريد و تفعل ما يصلح بها؟ … قل كلاما آخر …
  • أنا أعلم بنفسي منك … لن أزيد معك كلمة واحدة حتى ترني نفسك … و تواجهني … الآن حالا … كفى ممطالة 
  • لأنك تسألني هذه الأسئلة فأني أؤكد لك أنك لا تعلم عن نفسك شيئا ، و قد مضى زمن طويل جدا على آخر مرة تحدثت فيها مع نفسك أو صارحتها ، أو حتى إهتممت بها ليكون مصيرها …
أسكته في هذه اللحظة … وقال 
  • أصمت … لست في موقع يخولك أن تحاسبني على ما أفعل ولا أفعل … و أنا حر في نفسي 
  • الحقيقة أنت حر نعم … و لكن من حقي أن أقول ما أريد … 
  • لا يحق لك … 
  • حسنا كما تحب ، و على كل حال أنت لا تعيرني أي إهتمام ولا تهتم لي و لم يعد هناك بد من التدخل في حياتك بهذه الطريقة ، التي ما ودتت أن أضطر إليها حتى الآن …
  • الآن … الحوار بيننا إنتهى … و قد تعديت حدودك … 
أخذ يقلب الغرفة ، فتح أبواب الخزانة … نظر تحت السرير … أزاح الستائر … الكرسي … الملابس … لا وجود لأحد …

يبدو أنني تحت تأثير الجوع و قلة النوم و بدأت أهذي … يجب أن آكل شيئا دسما أملأ به بطني ، سأعد لنفسي الغذاء … أم تراهم تذكروني بشيء … 

خرج من غرفته … و ساعة المطبخ تشير إلى الثالثة بعد الظهر … ألقى نظرة على ما بالثلاجة … فوجد صحنا جاهزا … يحتاج فقط إلى تسخين خفيف و آخر لسلطة و صحن مقبلات و آخر للتحلية … أعد الجلسة و هيأها … و أخرج الصحن من الفرن و الأبخرة تتطاير لترسم قصة رحلة إلى عمق الطعم ستأخذه  … أعد كل شيء و رتبه … وضع الصحن الساخن وسط بقية الصحون لتكون وجبة و وليمة تشره لها الأنفس … جسل و نظر إلى ما جهز … إلتفت إلى خزانة المطبخ ونهض من مكانه و أخذ يبحث عن حفاضات التوابل و الباهارات … حتى وجدها … أخرج صحنا غائرا … و أخذ يسكب فيه من كل تلك البهارات و التوابل و يخلطها بعضها على بعض … و يهز الصحن أكثر لتمتزج الخلطة بعضها ببعض … أخذ الصحن و وضعه أمام كرسي مقابل حيث وضع كل صحونه و وليمته … و أخذ من الثلاجة علبة عصير … و جلس وأمسك بالملعقة ليباشر الأكل …
  • ويحك يا رجل ماذا تفعل ؟
أسقط الملعقة من يده و تراجع بالكرسي فزعا … فلم يتوقع أن يسمع الصوت مجددا …
  • ألم أقل لك أن لا تزعجني مرة أخرى ؟ 
  • لا لم تقل ذلك 
  • حسنا ها أنا أقولها الآن … أغرب عن وجهي حالا ولا تعد 
  • أغرب عن وجهك إلى أين … و أنا لست حتى أمام وجهك ، و لكن قلي … لما تفعل هذا ؟
  • نعم انت لست أمام و جهي ولكني أسمعك بوضوح و إن أمسكت بك سأعرف ما سأفعله بك …
  • فقط أخبرني لما تفعل ما تفعله ؟ ألست جائعا و الواجب أن تأكل الطعام؟
  • ما شأنك أنت ؟
  • هل يعقل أن تترك الطعام و تجلس لتأكل البهارات و التوابل؟
  • هذا ليس شأنك 
  • ولكن البهارات و التوابل وجدت لكي تجعل طعم الطعام ألذ و ليست لتؤكل … ستهلكنا يا رجل 
  • قلت لك ليس شأنك … إهتم لشئون نفسك أنت و دعني و شأني 
  • أنا مهتم بشؤون نفسي عندما أحدثك و أخبرك حالا أن تتوقف عن أكل البهارات و أن تأكل الطعام لأنه أساسا يحتوي على بعض البهارات التي تجعله يكون أجمل و ألذ و أكثر متعة و شبعته أنفع للبطن … 
  • هل تلقي محاضرة الآن أم أنك تغني؟
  • لا لست أغني ولست ألقي محاضرة … و لكنك أتبعتني و لم أجد تفسيرا لما تفعله 
  • و هل وجدت أنا تفسير لوجودك أنت ؟
  • أنا هو أنت ولست بأحد غريب عنك و ليس هناك شخص آخر معك في البيت و لن أغرب عن وجهك لأنني أنت ، و يبدو أنك لقلة ما تحدث نفسك وتحاسبها نسيت حتى صوتها و نسيت أن لك نفس و عليك الحديث إليها … و ها أنا أقلب الموازين لأحاسبك بدلا من أن تحاسبني … بعد أن إجتهدت لأتدرب على إسماعك صوت نفسك كما تسمعه الآن … فهل يعقل أن تهمل نفسك و تنجرف لشكليات حياتك و تترك الأساسيات ، ألا تعتبر ذلك من الحمق و الجهل أن تجلس إلى صحن من البهارات التي تضاف إلى الطعام لتعطيه طعمه و تجعله أكثر لذة و تزيد متعتك به … و تغرف بنهم تلك البهارات دون أن يكون هناك أي وجبة ؟ 

تجمد في مكانه على الكرسي … ونظر إلى الطعام الشهي المعد أمامه ... حتى تضببت صورة الصحون و أجزاء لشريط حياته … يتسارع في مخيلته … وهو يسمع نفسه تحدثه عن واقع فيه حتى آخره غرق … 

أتدري … رأيت الكثير ممن يفعل مثلك تماما في الحياة … يترك الطعام و ينكب على البهارات … يترك الحياة و ينكب على الحب … و ما الحب إلا بعض توابل تضاف للحياة حتى تكون الرحلة فيها أقل مشقة … 
رأيت من ينكب على الحب حتى صارت حياته كلها … مشقة … و هو يلهث و الحياة تهرب منه … والحب دائما له سارب في صحراء خالية يلاحقه 

عرفت الآن من أنا ؟ ... أنا أنت ...

وها هو صوت القرقعة يعود من جديد ...


شكراً…

0 التعليقات: