بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأحد، 20 ديسمبر، 2015

الغيرة ... و طبيخ الماما

By 8:05 م
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته 




عندما تطبخ لك الماما طعاما واحدا ... فقط ... عندما تطبخ لك المكرونة ... "المبكبكة " ولا يكون معها شيء آخر ... ولا ترى غيرها ... و أنت جائع ... ماذا يحدث ...

و هل هذا يحتاج إلى سؤال؟ ألتهمها مستمتعا بها و بحرارتها قبل أن تبرد و ستسمع ألحان السحب و الشفط لحباتها ...

نعم نعم ...  ولكن قلي ... ماذا لو وضعت لك صحن المكرونة ... و بدأت تأكل مستمتعا ملحنا بشفتيك ... ملاحقا الملاعق واحد تلو الآخر إلى جوفك و تلتفت لترى أن أخوك ... قد وضعت له أمك ... صحنا من الشوربة التي تتصاعد أبخرتها و الليمون يتقاطر فيها ... و معه بعض المقليات المحمرة الشهية ... المرتبة بطريقة ذكية و اللون البني المائل إلى الذهب ينعكس مع نور الشمس المتسلل من الشرفة ... و إلى جانبها صحن أرز لا يكاد يرى منه شيء لكثرة الألواز و المكسرات و كبد الضأن الطازج و اللحم المحمر فوقه الذي لا تكاد ترى فيه شحمة واحدة و كله ذاك الهبر الذائب كمثلجات الكراميل في يوم صيف حار ... و صحن صغير به بعض الفلفل المخلل و الجزر و الزيتون ... و جبل من المحاشي بما لذ و طاب من المكونات و التي يمكن إلقاءها واحدة بعد أخرى دون قلق  وبجانبها أجمل الألوان من الأخضر و الأحمر و البرتقالي من سلطة خضراء بزيت زيتون يتلألأ و رائحته أخاذة ... و قد أغدق منه على الخضرة بوفرة ... 
و تلك القنينة السحرية التي يتقاطر جبينها ندى بمجرد إخراجها من المجمدة ، و بجانبها كوب مليء بمكعبات الثلج المصنوعة منها كي لا تفسد طعمها و تزيدها حلاوة مع قطعة من الليمون الأصفر ملقيا فيها زيادة في اللذة ... 
ومن جهة أخرى ترى صحن مرطبات يسيح بعضها على بعض متمركزة كأنها جبل من السكر الشهي في منظره قبل المذاق ... 
توقف أرجوك ... كفى لم أعد أرغب كثيرا في صحن المكرونة ... 

ولكنك ممنوع من لمس تلك الأطعمة ... و هي فقط لك لتشاهدها ... و ترى غيرك يأكلها بتلذذ ... و كلما أكمل ... يزاد له مما أراد ...

ستأكل المكرونة ... و لكنك ستأكلها بأقل حماسة ... و أقل تلذذا من قبل ... و ربما تحاول بدورك البحث عن من يقدم لك تلك الأطعمة أيضا ... لتجد ما يشبهها و تقبل عليه ... ولكنها جميعا ستكون أطعمة قديمة ... باتت ليالي خارج البراد فلم يعد لها الطعم ذاته عندما كانت نظيفة مستوية للتو ساخنة ...  و ستوهم نفسك بأكلها أنك تستمتع كما رأيت أخاك يستمتع أول مرة بتلك الصحون الشهية ... و ربما في نفسك تقول ... تبقى المكرونة أكثر حلاوة من هذا كله ، ولكن يصعب عليك أن ترى كل هذا و تصبر ... و إن صبرت يوما ... أو يومين ... أو ثلاثة ... ستجد أنك تكاد تنفجر لكثرة رؤية تلك الصحون ... و إشتهاءك لها يتزايد ... و ستكون قويا و تصبر ... لإنها ليست لك ...

نعم أكيد سأصير ولن أدخل بطني شيئا حرام ...

نعم ستصبر ولكن هذا كله يزيدك زهدا فيما لديك من مكرونة ... و يقلل إستطعامك لها ... فنظرتك لجمال الأكلة تغير 

أستطيع أن أغمض عيني عن ما يأكل غيري أو يعرض أمامي من معروضات ...

نعم تستطيع ... و ستغلق عينك مرة ... و إثنيتين وثلاثة ... و سيتسرب لأنفك من الروائح ما يتسرب ... و ستصادف ما تصادف من أطباق ... فلم يعد أحد يغطي أطباقه اليوم ، إلا قليلا … و الكل يريد أن يرى الجميع كل ما يطبخون مما لذ و طاب ... حتى يأتي وقت التخلص منه فضلات ... وكل ذلك سيغير مقاييسك للذة و الطعم … 
الضغط سيزداد عليك ... و قد تبحث عن حلول لنفسك ... قد تبحث عن حل وسط ... و قد تهرب ... و قد تسقط ضحية ... و ربما ... تنجو ... 


أتدري كيف يفيد الستر (الذي نسميه اليوم  “الحجاب” و الذي لم يبقى لنا منه إلا غطاء رأس إلا من رحم الله من العاقلات العفيفات)  النساء أكثر من فائدته للرجال؟ ...


كيف؟

اليوم أصبح قلة من الرجال راضين عن زوجاتهم ، و إن تزوجوهن على محبة و إعجاب ... و لكن سرعان ما تحولت هذه المحبة و الإعجاب إلى تذمر و مسايرة و عدم رضا بما لديه وربما السعي للحصول على غيرها كيفما كان “إلا من رحم ربي”  ... وكذلك أصبحت قليل من النساء يرضين بما عليه أزواجهن وما هم عليه من طبيعة و يتيح لهن كثرة العرض الزيغ عن ما هن فيه ... 

ولكن لماذا ؟

لأن العرض أصبح منتشرا متكاثرا متاحا مباحا سرا و علانية … و تسمع الجميع يتحدثون عن الغيرة … هذا يغار على زوجته و هذه تغار على زوجها … و لكن على ما يبدو هي لا تهتم بأختها التي بدورها تغار على زوجها منها عندما ينظر إليها في الشارع و هي تكاد تقفز من ملابسها ضيقا بها ، و تكاد كل تقاطيع جسدها تنفر منها و ستكون بأنفاس متقطعة يوم تشهد عليها أنها أغوت و أغرت الأخرين غير مبالية بزوجاتهم … ولكنها رفضت أن تغري غيرها زوجها … و هن يفعلن على كل حال … فليست هي خير منهن في شيء … 

كثير من الأزواج و الأباء و الإخوة لم يعد لديهم سيطرة على ما تعرضه بناتهم لكثرة التعود أو ربما … خوفا من إن منع الكثير من الرجال بناتهم و زوجاتهم من التعري و العرض و إنتشر ذلك ، فسيخسرون النظر إلى أطباق بعضهم البعض و يستمتعون بها و بما تريه من شهي طبخاتها … 

هل يعقل هذا ؟ 

ألا ترى … كم أن الستر و الحشمة  تساعد كثيرا في رضا كل بما لديه … و اليوم بات كل شيء فاسدا بسبب كثرة العرض الغشاش … وربما الستر و ما يجب أن يراه الرجال من النساء يفسر لك سبب وجود ما نسميه النظرة الشرعية التي لم يعد لها داع في الكثير من الأحيان … و هي وجدت لإن النساء لا يراهن الرجال أساسا فسمح لهم بهذه النظرة لكي يرى من سيتزوج … و نحن نكذب على أنفسنا اليوم بهذه النظرة بحجة اننا نحافظ على السنة … و كم حافظنا عليها جدا في الشكليات أمام الناس “ إلا من رحم الله “ 

الحياة الزوجية الحميمية فسدت لكثرة ما يشاهده الكثيرون “من الجنسين” في سن مبكرة ، من أفلام إباحية متاحة حيثما وجهت وجهك …  شوهت و أفسدت و حطمت حقيقة المتعة الحلال و طعّمتها بما يقرف و يفسد المتعة الحقيقية حتى بات الأزواج يعتقدون أنهم لا يحصلون على المتعة في واقعهم كالتي يشاهدونها في تلك الأفلام وينسون أنها مائة بالمائة تمثيل لأجل الكميرا وبات الإعتقاد أن شريكهم لا يملك ما يكفي من القدرة و الخبرة ليصل بهم إلى ما يعتقدون أنه حقا هو الصحيح في هذا الجانب لإنهم فقدوا معنى  المتعة الحقيقية بتلك المشاهدات التي تركزت في العقل و بات عداد المتعة عندهم لا يعمل إلا بما سكن في عقولهم من ممارسات لا علاقة لها بالواقع أبدا إلا أنها تفسد عليهم ما هم فيه فيستمرون في البحث عن غيره دائما ولا يجدوه  … إسأل عن الجمال و مفهومه اليوم … كم منا يرى أن الجمال هو القوام الممشوق و الشعر الطويل و المشية الرقيقة و الملابس الضيقة و القصيرة ، و العضلات المفتولة و الصدر العريض و اللحية المرتبة و السيارة الفارهة … ولا يفرق بين زيف و خيال و ما بين يديه و ما يراه في التلفاز و السينما ممن خلفهم مئات الموظفين للمكياج و الرياضة و الموضة و اللباس و حتى زاوية ما يظهر من الجسد و ما يختفي و كيف ومتى يحدث ذلك و إلى أي إتجاه يجب أن تكون النظرة و ما الذي يجب أن يكون ثابتا و ما يهتز ، حتى ترسل الإشارات التي أفسدت الواقع و أفسدت الحياة و شجعت كل زوج أن يزهد في زوجه و يشعر أنه أصطدم في حائط أصم و أن حياته لم تكن كما يجب فهي لا توافق الأفلام ولا تقترب منها و كميات الدهون التي بين يديه لا وجود لها في تلك الأفلام ولن يكون لها وجود بتاتا …

نستحي كثيرا من الحديث عن حياتنا الخاصة و لكن واجب أن ننبه أنفسنا أن الإباحية إنتشرت لدرجة أن أطفالا باتوا يرونها في كل وقت … محطاتنا العربية التي تبث إستراحة للصلاة … و تبث القرآن عندما يموت أحد أقارب مالكي المحطة … لا يفرقون بين مباح و ممنوع ، و ينشرونه طوال الوقت … لكل الأعمار … القبل و الإحضان لم تعد من المحرمات أو الممنوعات المفاتن كذلك لم تعد ممنوعة ولقطات الفراش أيضا في محطاتنا الموثوقة … و حتى الإيماءات بالممارسة و غيرها تكاد تكون مباحة جدا … في مسلسلات رمضان الذي يجمعنا دائما على شاشات التلفزيون … ولكن الواقع يقول أن الفساد تغلغل في بيوتنا فأفسد العلاقات و أفسد راحة البال و الطمانينة لدى الأزواج … و بات الزوج يبحث عن ما يراه في الشاشاة لإن زوجته لا تملك منه شيئا ، فليس لديها فريق مكياج خاص ولا مدربين لياقة بدنية ولا مرشد جمال ولا صالون إهتمام بأظافرها … و ليس لدى زوجها وقت لكي يمارس الرياضة كما يجب حتى تفتل عضلاته و للأسف بشرته سمراء و عينه ليست ملونة و لحيته ليست متكاملة و نظرته ليست خلابة و ضهره منحني  و ربما لا يكاد يرفع رأسه من كثرة إنشغالات الحياة … ولا يفقه في سنة إرضاء الزوجة شيئا كما هي لا تفقه في سنة إرضاء الزوج شيئا و لكن … ما يشاهدونه يجعلهم يتحسرون و يلعنون اليوم الذي فيه تزوج كل منهما الآخر …
فلا يعيشون ما ياملون ولا يستمتعون بما يملكون … 

أترى كم يؤثر فقدان الستر و العفاف على حياتنا ؟ و أغلبنا يتباهى بما يعرض من خلل نفسه و ما يعرضه من تفاصيل و تقاطيع جسده … 

أترى كم أن المكرونة تكون لذيذة جدا عندما لا ترى غيرها ولا تبحث عن غيرها … و إن أكلتها كل يوم … ستستمتع بها كأنه أول يوم … فقط … توقف عن النظر إلى سفرة أخيك … و ليغطي كل صحونه حتى لا يفسد على نفسه و على الأخرين حياتهم …


شكراً…

0 التعليقات: