بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأربعاء، 27 يونيو 2012

لمسة من تاريخ...

By 6:32 م

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته




هواء منعش عند ذاك الارتفاع الأخضر المطل على صفحة الماء المالحة في الأفق ...

وصل ومن معه إلى حيث كانت هناك بقايا من كان هنا يعيش ، مباني ضخمة ... على ما يبدو من أحجام الصخور التي تناثرت و قد رمم بعضها ووضع كيفما كان سيكون فيما مضى ، بدا واضحا أن تلك الأماكن كانت تضج بالحياة و الناس قد استقروا فيها و شيدوا ما شيدوه فبقي حتى سار بين حطامه و كأنه يراهم يسيرون في شوارع مدينتهم و يتسوقون و يقفون أمام معابدها و يطارد الأطفال بعضهم بعضا في كل ثناياها .

سار لوقت ليس بالقصير ، فالمكان شاسع مترامي الأطراف و كلما اتجه بنظره في اتجاه رأى بعضا من بقاياهم ، بعضها قيل انها قبورهم و بعضها كانت معابدهم و أخرى كانت مسارح و أسواق ، وكثير من التماثيل ، لكل تمثال قصة و خرافة آلهة من آلهتهم و كأن المكان لم يكن يعيش إلا بالأساطير أو فيها .

أحس بين تلك الأحجار أن من بناها قد بناها وكأنه لن يفارقها أبدا ، فالإبداع و الفن و الهندسة منقوشة على كل حجر حتى ما يظهر انه مهمل منه ، تفاصيل المدينة مما رمم تظهر حقا أن من عاش هنا كان يملك أملا  و لأجله عمل و كد ، رغم انه منذ أن بدأ مسيرته في هذا المكان لم يرى منهم أحدا و لم يصادفه إلا ما خلفوه من أثار وكأنهم لم يكن لهم كائنة .

تعب و إرهاق المشي في تلك التلال و ما بين الجبال و الأشجار... يمينا وشمالا في كل مكان ذهب منبسط ، ذهبٌ تنبته الأرض يعيش به الفقراء و الأغنياء .

ما بين تلك الصخور القديمة وجد صخرة أغرته أن يريح نفسه بالاتكاء عليها ... اقترب منها وكانت وكأنها لم تمس من قبل.

تنفس بعمق و اقترب من الصخرة وما أن وضع يده عليها حتى أحس ببعض الدوار فسحب يده عنها ، نظر حوله و ركز بنظره في الصخرة و كأنها سببت له غثيان ، لم يعر ذلك اهتماما فلعله الإرهاق و تعب السير في ذاك الهواء المنعش الذي كان الاعتياد عليه ميزة من المزايا التي لم يجدها في مدينته التي فيها يعيش ، عاد إلى الصخرة ووضع يده و اتكأ ليجلس فإذا بما حوله يتبدل و يتغير و يسمع اصواتا و يرى أناس لم يكن لهم وجود عندما اقترب من تلك الصخرة .

اتسعت حدقتاه استغرابا ، وجد نفسه وسط سوق يضج بالمارة و الباعة و المتسوقين ، كانت ثيابهم و كأنهم من حقب ما قبل الميلاد،

وقف مشدوها لبرهة ينظر حوله يتفحص ما به يحيط ، يحاول استيعاب ما يحدث ، حتى بدأ يرى لمعان نظرات المارة و الأمل الذي كان بها و الرغبة التي تحذو الجميع في أن يقوم بعمله و كأنه لن يترك المكان أبدا ، فمن كان يبني و ينحت ، رآه يعمل بجد و نشاط و حاله يقول سأكمل هذا البناء و أبقى فيه دائما لن ابرحه و سأستريح من عناء العمل و سيكبر أبنائي هنا و سيدوم لنا ولن يضيع منا ولن نتركه أبدا ، كما كان من يفاصل على بضاعته و يحاول أن يكسب أكثر...

نظر مجددا إلى الجميع حاول الصراخ ليخبرهم بأنهم لن يبقوا فيها و أنهم إلى نهاية و اختفاء سائرون وانه يرى بقاياهم اليوم وبينها  يسير ، ولكن لا احد كان يسمعه ولا احد كان يراه و إليه يلتفت ...

طفل صغير يتجه نحوه ينظر إليه ، ففرح لعله يخبرهم بما يعرفه و يحذرهم لان يعملوا من اجل ما يراه من بقاياهم اليوم و إلى ما سيصيرون إليه ، ولكن الطفل عندما اقترب منه اخذ حجرا مستديرا كان أمامه و ركض مسرعا مبتعدا ...

رفع يده عن الحجر... نظر حوله فإذا بالحطام في كل مكان كما كان ، و الأعشاب علت على الصخرة التي كان احدهم يعرض عليها فاكهته ولم يبقى لكل أولائك القوم باقية ... شعر بحزن شديد بعد أن شاهد كل ذاك الأمل و الاجتهاد في حياتهم ، و اليوم ليسو إلا قصص رآهم في لمسة من تاريخ ...


شكرا




2 التعليقات: