بقعة واحدة ، لسان واحد ، سماء واحدة ، والبحث عن الاتفاق الجوهري

.

الأربعاء، 28 فبراير 2018

فرانشيسكا وإفطار الصباح بمقهى نهر السين...

By 10:22 م
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته 


بلا إستئذان تسللت أشعة الشمس لشقتها الصغيرة المطلة على نهر السين الذي يمر بجانب أشهر معالم مدينة الأضواء...
وما هي إلا لحظات حتى كانت فرانشيسكا الفتاة الشابة ذات الثمانية عشر عاما ، برقة في شوارع باريس العتيقة تتمايل في مشيتها ... قاصدة المقهى الصغير الذي على النهر يطل... وقطرات الندى حولها تتناثر تنعش الأنفاس... 
متباهية بما ترتديه مما لم تصل له صرخات الموضة بعد... 
جلست لكرسيها المفضل الأكثر حكما على منظر يتوسطه برج أيفل وخلفه المدينة وأفق شاسع من الزرقة... وهناك قرص الشمس يكمل الصورة... 
وكعادته كل يوم مر الشيخ بيير قائلا بونجور يا حلوتي اللطيفة... لترد عليه كالعادة برفع يدها وهز أصابعها الدقيقة الرقيقة وابتسامة شفافة رقراقة وتقول بنجور عمي بيير وتزيد عليه بقولها كيف حالك اليوم... يوم جميل أليس كذلك... 
ليبتسم الشيخ بيير ويقول قشطة يا إبنتي قشطة... ويمضي في طريقه لأخذ جريدة الصباح... 
يأتي النادل والإبتسامة المعتادة مرتسمة على شفتيه لأجمل من تردد على المقهى... واضعا منديلا على يده ليقول... بونجور أميرتنا الفاتنة فرانشيسكا... لتبتسم في خجل وتقول أرجوك لا تفعل هذا... أنت تحرجني... تربح... 
أنت أميرتنا بلا شك... المعتاد؟ قال لها متسائلا عن طلباها لهذا الصباح...
بإبتسامة إمتنان خفيفة أومأت بالإيجاب ...
لينصرف النادل وتطلق هي بصرها في الأفق تفكر في تحقيق حلمها بالسفر ورؤية مدينة أحلامها وهو ما تفعله كل يوم كجزء من طقوسها التي تتهيأ بها ليومها الذي لا تعرف مجرياته لأن أيامها لا تتشابه في أحداثها ونهاياتها...
تطايرت العصافير حولها مع إنطلاق صفارة أحد القوارب السياحية التي تجوب النهر... 
وإذا بالنادل يقطع إنسجامها بوضع طلبها حيث تريده أن يكون دائما وبالترتيب الذي ترغبه وإعتادته ... لتطل عليه بإبتسامة تشحنه ليوم عمل كامل ... 
بونابيتيت قال لها بمرح وإنصرف...
إعتدلت في جلستها وأخذت قنينة الزيت الصغيرة التي أحضرها النادل وسكبت منها على ما بالصحن من مسحوق ومن ثم رشت بعضا من السكر بالقدر الذي تفضله... 
رفعت كمها وأبعدت الأسورة وأخذت تخلط المزيج بأصابعها الدقيقة حتى صار جاهز القوام كما تحب ... قبضت حفنة وأخذت تضغطها بين يديها الرقيقة حتى صارت متماسكة ... بالقدر الذي يمكن أن تتناولها فيه برقة... 
أعادت الكرة في القبض على حفنة أخرى والضغط عليها حتى تصبح متماسكة وتتناولها... 
حتى فرغ الصحن... وهي في قمة المتعة والإنسجام ...
كانت دائما تتخيل نفسها في المكان الذي تحلم بالسفر إليه وهي جالسة في العراء ومعها الزاد وهي تغرف وتضغط المسحوق وتأكله كما يفعل أهل تلك البلد... تحلم أن تعيش مثلهم ترتدي ملابسهم تأكل طعامهم ، هيأت نفسها لتكون مثلهم... معجبة بكل ما لهم... ثقافتهم أفراحهم كلامهم... 
فرحة أن ما تهواه و تحبه من أكلات توفر في مقاهي باريس قريبا منها...
وإذا بمن يجلس مقابلها يرمقها بنظرات إستغراب  وتركيز على ما تأكله ... وإذا به يشير إلى النادل ويهمس له... هل لي ببعض من ذاك مشيرا إلى ما تأكله محاولا عدم لفت إنتباهها ...
فقال النادل على الفور... بكل تأكيد... 
أقتربت منها عجوز وهي تقول مثير هذا الذي تأكليه هل لي أن اعرف ماهو؟
إبتسمت وأزاحت حقيبتها عن الكرسي وطلبت من العجوز الجلوس ونادت على النادل قائلة آتنا بصحن للسيدة تريد أن تتذوق ... شعرت العجوز بالفرح والحرج فقالت لا يا بنيتي إنما أردت معرفته لأنه يبدو شهيا... نعم يا جدة بالتأكيد شهي وصحي أيضا أريدك أن تجربي "عشان خاطري" فقالت لها العجوز ماذا تعني هذه الكلمة؟ فقالت الفتاة أنه اُسلوب رجاء عند من إخترع هذه الأكلة فإبتسمت العجوز قائلة "اشان كهاطري" أكيد...
وما أن أتى النادل بالصحن والزيت والسكر حتى أخذت تعلم العجوز كيف تصنع وتآكل ... وكذا فعل الرجل الذي أخذ يراقب خلسة كي يعرف كيف هو الطريق الأمثل لأكلها... 
وعندما سأل النادل عن إسم هذه الأكلة ، أشار النادل إلى فرانشيسكا لتخبره فهي أكثر دراية بذلك منه ... 
فإقترب الرجل بلطف قائلا بونجور آنستي ... بنوجور سيدتي... إبتسمت فرانشيسكا وطلبت أن ينضم إليهم وكذا فعل... بعد أن جلب صحنه ... وأخذت فرانشيسكا تعلمهم كيف يأكلوا هذه الأكلة... وهم في كامل إنسجامهم ، حتى سألت العجوز عن إسم هذه الأكلة قائلة إعذري جهلي يا بنيتي ولكن ما إسم هذه الأكلة اللذيذة؟... فقالت لها فرانشيسكا بأسلوب مهذب ورقيق جدا لا عليك جدتي ، إنها زميتة يا جدة... زميتة...

شكراً...
أكمل قراءة الموضوع...

الاثنين، 19 فبراير 2018

جمعة وجاره الحقود...

By 10:21 م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



خرج جمعة فارا بنفسه من ضيق العيش بجانب جاره الحقود... وقال له صائحا... "إقعد فيها تو تربح" ...
ولكن جمعة إزداد حنقا على جاره عندما لم يسمع منه ردا أكثر من أنه ألقى إليه بفرد حذاء قديم من النافذة ... فركله ليصدم بابه وأخذ حقيبته وإتجه نحو الطريق الرئيسي المعبد على عكس الطريق الترابي الذي أرهقه وأتعبه وأتعب أنفه...
وما أن وصل حافة الطريق حتى توقفت سيارة نصف نقل نزل منها بعض الركاب ، فقال جمعة للسائق... توصل للمطار؟
فأشار له بيده أن إصعد ، وبما أن الكرسي الأمامي كان مشغولا براكبين ، فما كان لجمعة من بد إلا أن يقفز للصندوق الخلفي لسيارة النقل ليجد غيره من الركاب مرتصين جنبا إلى جنب على ألواح خشبية وضعت ككراسي...
تحركت السيارة ، تململ جمعة وتخضخض وهو يقول في نفسه "يا عليك مرمدة" وإذا بأحد الركاب يضرب أرضية السيارة بقدمه ثلاث ضربات ، ليركن السائق وينزل الراكب دافعا له أجرته... وإنطلقت السيارة من جديد...
مع تعرجات الطريق وإهتزازات الكرسي الخشبي ومشهد السيارات التي تبدو كأنها خراف تتبع أمها... تهتدي بها ...
سرح جمعة في الطريق الذي أخذ يمتد ويزداد طولا كلما تقدمت السيارة ... وهو يفكر كيف ضاق به البيت على إتساعه وجاره يضغط الجدران من كل جوانبه بتصرفاته الرعناء المتسلطة على كل جيرانه العاجزين عن إيقافه عند حده ، وكيف كان يحسده حتى في "حمرة وجهه" ، شعر بأنه كلما إبتعدت السيارة عن هناك كلما إنشرح صدره أكثر لإبتعاد خيال ذاك الجار عنه ... وكأن ضغطه يبتعد يخف فيرتاح هو أكثر ، كانت فكرة الإبتعاد بأكبر قدر ممكن عن حيث ذاك الجار ، وأن يقطع صلته تماما بكل ما له به أي إرتباط أو ذكرى و علاقة وحتى من في هذا البلد من بشر... تراوده منذ مدة...
ضرب أحدهم بقدمه ليعلم السائق أنه سينزل ها هنا ، فإنحرفت السيارة بدون أي مقدمات ليركن يمينا ويهبط الشاب ليتجه نحو السائق ليدفع أجرة النقلة يشكره ويهرول نحو سوق الخضار القريب ...
إنطلقت السيارة لينطلق معها فكر جمعة من جديد في تفكيره وتساؤلاته ، ولكن أين سأذهب؟ ومن سسيستقبلني وكيف سأعيش... لا يهم أذهب أينما ذهبت ، المهم أن أبتعد عن هنا ، أبتعد عن هذه الوجوه الكالحة الكئيبة ، وأجد لي مكانا لا أرى فيه من يذكرني بهذا الجار التعيس ... توقف يا جمعة وإلا ستبدأ في كيل الشتائم والسباب وأنت الصبور الحكيم الحليم ، نعم ولكنه لم يترك لي مساحة أبني له فيها ما يستر من سيول ظلمه و تعديه ، إهدأ ... أنت الآن تبتعد عنه وترتاح أكثر إنسى أمره فكر فيما سيأتي من بعد... أمامك حياة جديدة لا تعكرها بذكرى أشخاص ... لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ... مسح على وجهه وسأل السائق من خلال الزجاج الفاصل بينهما... إقتربنا من المطار؟ فرد السائق عن قريب سأقف لك مباشرة عند أقرب نقطة ، فلا يسمح لنا بالدخول إلى المطار نرجو منك السماح...
فقال له جمعة ممتعظا بلا حيلة ... "ولا يهمك ولا يهمك...
كادت سيارة تصطدم بهم عندما إنعطف السائق فجأة دون إنذار مسبق لمن خلفه ... وكاد الجالسين في الخلف يتراكمون بعضهم على بعض ... فصاح أحدهم ... "هيه يا... بالشوية علينا مش سعي نحن" فرد السائق ، "كيف تبيني ناخذ طريق غلط ولا كيف؟ يردو بالهم حتى هم" ... تمتم الرجل في نفسه بكلمات فضل جمعة أن لا يسمعها ولا يعلق عليها فإنكمش في نفسه وهو يدعو الله أن يجد وسيلة للإبتعاد عن هنا ويتوقف عن مشاهدة هذه الوجوه "الكالحة الغبرة" حسب تعبيره بأسرع ما يمكن...
توقفت السيارة وضرب السائق على الزجاج مناديا جمعة ، "المطار ... الي يبي المطار يا" قالها صائحا... فنزل جمعة من السيارة محتضنا حقيبته ، إقترب من السائق ودفع له الأجرة وهو ينظر إلى المطار الذي يبعد عنه بعد سوق الخضار عن حيث ركن سيارته دون توفر "برويطة" ، حتى أنه فكر في إيقاف إحدى السيارات المارة... ولكنه بدأ في السير وقال في نفسه ، "فكنا تو نطيحو في حد حاصل في روحه ونشهد بالله ماني ناقص وكان نلقى تو نتنطر نلقى روحي في مكان مافيه حد من هالقوم" ... وما أن أكمل جملته حتى توقفت سيارة عابرة ، فتح زجاجها وقال صاحبها "ماشي المطار يا أخينا؟ هي أركب نوصلك" فشكره جمعة ولكن الرجل أصر وقال "بلاش والله على رحمة الوالدين ما ناخذ منك شي" فما كان من جمعة إلا أن فتح الباب وصعد السيارة التي إنطلقت وما هي إلا بعض دقائق وكان جمعة أمام مدخل صالة الركاب ... وضع حقيبته أرضا وأخذ يقلب جيوبه ليخرج تذكرة وجواز السفر... نظر لساعته ومن ثم توجه للوحة المعلومات ليرى مكان أخذ بطاقات الصعود...
لم ينتبه جمعة لنفسه حتى سألته المضيفة ما يرغب في شربه ... فقال لها " شاهي نبي شاهي" فإبتسمت وقدمت له كوبا من الشاي شعر أنه مختلف تماما عن ما كان يشربه سابقا ... وما أكمله حتى حضرت من أسماها "قمر في طيارة" وقدمت له طبقا به ما أسماه "عينات طعام" شكر الله وحمده على النعمة...
وإذا به واقف في صف ختم الجوازات... يطالع ساعته كل حين... فلديه رحلة أخرى بعد ست ساعات من الآن وله فرصة رؤية هذا البلد... وكذا فعل حتى جلس مجددا في كرسي الطائرة متجها لبلد آخر وهو يطالع حوله يحاول إيجاد أيا من بني جلدته... وقلبه يخفق وكله رجاء أن لا يكون أي منهم قد لحق به إلى حيث هو ذاهب عنهم بعيدا... بعيدا جدا...
إنشرح صدره خف وزنه مدد قدميه ، شعر براحة لم يستطع وصفها إلا بإبتسامة هادئة بهدوء الطائرة وركابها... ومضيفيها الذين قدموا له الطعام بكميات أكثر من كونها عينات...
إستقر جمعة في فندقه وهو يراقب بحذر يحاول التأكد من عدم وجود أحد ممن فر بنفسه من بينهم ، لا يريد أي شيء يربطه بهم... حتى وإن كان سيعيش في هذا البلد البارد الغارق في الثلوج أغلب أشهر العام... ولكن لا يهم ... المهم أنه لا وجود لجاره الحقود ، ولا لسائق سيارة النصف نقل ، أو صاحب البقالة الذي يمن على أهل الحي بإنتظار ديونهم وتخفيض الأسعار لهم ، أو حتى زوجته التي زاد عشقها لبيت أهلها منذ زواجهم وتريد كل ما حصلت عليه كل جارة من جاراتها ... وشرطي المرور ذاك الذي إستوطن تقاطعا رئيسيا في حيهم... وحتى أطفال الحي الذين لا يحلو لهم اللعب إلا وقت القيلولة "كشياطين الشيشة" كما وصفهم...
هز جمعة رأسه طاردا هذه الأفكار والذكريات التي تركها خلفه عن نفسه ... وخرج مستمتعا بالأجواء يحاول التأكيد على نفسه أنه حقق الحلم ، أنه لا وجود لأي من بني جلدته هنا وإن كان في آخر العالم عند حافته... وزاد إرتياحه مع مرور الأيام والهدوء الذي يعم الأرجاء ... حتى أخذ ينسى مسألة التدقيق وتعرف على بعض أهل المنطقة وبدأ البحث عن بيت يستأجره ويبدأ فيه حياته من الصفر... بداية يمحو بها كل أخطاء الماضي وعثراته في عالم جديد ، وإسم جديد... سأغير هذا الإسم... لا يهم جمعة بعد اليوم... سنجد إسما جديدا...
وقف جمعة أمام بيته الجديد متباهيا بنفسه فخور... بيده كوب قهوة على طريقة أهل هذا البلد... ملفلفا نفسه بمعطف منزلي وفير الوبر... إستنشق نفسا عميقا وأطلقه براحة كمساحة الماء الذي يطل عليه بيته... أخذ رشفة من كوبه وإذا بحذاء يخرج من نافذة البيت المجاور له ليسقط أمامه ... فزع وتأخر خطوة حتى سكب على نفسه بعضا من القهوة... نظر للحذاء القديم الذي لم يكن غريبا عنه ... فإلتفت إلى النافذة التي ألقي منها الحذاء ليجد جاره الحقود قد حصل على البيت المجاور له وهو يقول... والله ما تهون علينا جيرتك يا جمعة...

شكراً...
أكمل قراءة الموضوع...